أحمد بن محمد ابن عربشاه
255
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
وإنما أوردت هذا الكلام يا كرام ؛ لتعلموا أن السلطان بمنزلة الإمام ، وأركانه له تبع في العقود والقيام ، ولا يتم الائتمام إلا بالاتفاق بين الرفاق ، فإذا كان الجماعة مجمعين طائعين لإمامهم مستمعين ، استقام القيام وانتهوا من جميل التحيات إلى السلام ولا يقع لهم انتظام مع مخالفتهم لحال الإمام ، هذا قائم وهذا قاعد وهذا راكع وهذا ساجد وهذا نائم وهذا هاجد . وأيضا السلطان بمنزلة القلب والرأس ، وبمنزلة الأعضاء رؤساء الناس ، وباقي الرعية خدم للرأس والأعضاء ، منتظرين لما تبرز به المراسيم من الزجر والإمضاء ، فإذا اتفقت الأعضاء واصطلحت ، انتظمت أمور كل من الرأس والرعية وانصلحت ، وإذا وقع اختلاف وتباين في الأعضاء صار كل من الرأس والقلب والرعية مرضى . ولقد صدق من قال وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم وأرضى : « المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا » « 1 » . وخلاصة هذا الكلام : إن قصدي أن تكون أحوال رعيتي على النظام لا يقع بينهم شقاق ولا تنافر ولا نفاق . وأما أبو نوفل فيكفيه حياؤه وخجلته ، فقد انتهت وتمت عقوبته ، وأخذ حدّه حدّه ، ولا يليق بكرمى أن أرده ، وهذا الذي ورثته عن أسلافى وهو الحق اللائق بمحاسن شيمى وأوصافى . فلما سمع الوزير هذا الكلام وجرح فؤاده هذا الملام ، ندم غاية الندم ، وعلم أنه قد زلت القدم ، وأنه لا حاجته قضى ولا على صديقه أبقى ولم يستفد مما أبداه من فجم « 2 » ؛ سوى إظهار معاداة أبى النجم ، وإنه إذا تخلص من حبسه وكربه ورجع عند الملك إلى منادمته وقربه لا بدّ أن يتصدى لمعاداته وسلبه ولا يفيده بعد ذلك أفعاله ولا يسمع في أبى نوفل أقواله . فانصرف من
--> ( 1 ) حديث أخرجه البخاري : كتاب الصلاة ، باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره ( 481 ) . ( 2 ) غلظة وعداوة .