أحمد بن محمد ابن عربشاه
256
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
عند الملك الطيثار « 1 » لا يدرى أين يضع قدمه من الافتكار ، حتى وصل إلى منزله ، واختلى في فكره بعمله وفرغ للمخلص من هذه الورطة طرقا ، وتفرقت رواد أفكاره في منازل الخلاص فرقا ؛ فأدى نصيب الرواد من الآراء ومفيد القصاد من الشورى إلى السعي في مصالحة أبى نوفل ، وإزالة ما وقع من الغبار في وجوه الصداق وتخال ، ثم أدى افتكاره واروى من زند رأيه شراره إلى أن الذي وقع منه قد اشتهر وعلم به أصحاب البدو والحضر ، فإذا طلب من بعده الصلح فذلك في غاية القبح إذ كل من في حجره حجز يتحقق أن ذلك خور وعجز . فصار يتردد بين هذه الأفكار ويتأمل ما فيها من تحقيق الأنظار وتدقيق الأسرار . فبينما هو في بحر الافتكار يلطمه الموج ويصدمه التيار ، دخل عليه صفى له صافي الوداد ، وهو ظبي أغر يدعى مبارك الميلاد ، ذكى الجنان فصيح اللسان دقيق النظر عميق الفكر ذو رأى صواب وشفقة كاملة على الأصحاب فرآه مطرقا إلى الأرض في فكر ذي طول وعرض ، فسلم عليه وتقدم بالسؤال إليه عن نشور باله « 2 » وتوزع حاله ، فطلب الوقوف على ما ناله لينظر عاقبة أمره ومآله ، فأخبره بموجب ذلك وأنه قد سدت في وجهه المسالك . فقال مبارك الميلاد : يا صحيح الوداد أنت قد زعمت أن مولانا السلطان قد ترك أبا نوفل الندمان وطرحه اطراحا لا رجعة فيه ، وإنه بعد اليوم لا يذكره ولا يدنيه ، وإن عثرته لا تقال وغصته لا تزول وقصته لا تزال ، هيهات هيهات يا أبا الترهات ، الملوك إن لم يعرفوا حقوق خدمهم ولم يثبتوا في ديوان إحسانهم قدم قدمهم ؛ خصوصا هذا الملك العظيم الذي أنفاس شيمه تحى العظم الرميم ، ونحن قد زجّينا « 3 » عمرنا في خدمه وأذاقنا برد
--> ( 1 ) الطيثار : من أسماء الأسد ، ومعناه الشجاع . ( 2 ) التفرق والتشتت . ( 3 ) أي رمينا بعمرنا في خدمته .