أحمد بن محمد ابن عربشاه
240
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
قال ابن سليمان : فعجبت من قضاء الرحمن ، وكيف ساقتنى أرجلى إلى شبكة مقتلى وأمشانى القضاء برجلي إلى من هو دائر على قتلى فاستحييت منه ومن الله ، وكرهت عند ذلك الحياة ، فسألته عن اسم أبيه لأتحقّق ما يبديه وينهيه ، فأخبرني فعرفته وتذكرت أنى أنا قتلته . فقلت : يا هذا وجب على حقك وأنا غريمك ومسترقك ، وقد قرب الله خطاك وأنا لك متمناك . فقال : وما ذاك ؟ فقلت : أنا إبراهيم الذي على طلبه تهيم ، وأنا قاتل أبيك فافعل بي ما يرضيك ، وخذ ثأرك وأطفئ نارك . فقال : كأنه طال بك الجفاء ، وأضرّ بك الاختفاء ، فأردت بالموت الخلاص واستندت لدعوى القصاص . فقلت : لا والله الذي علم السر وأخفاه ؛ بل قلت الحق وفهت بالصدق ، وخلاص الذمة في الأولى أخف من قصاص الأخرى وأولى ، أنا فعلت بأبيك الأذى في يوم كذا ومكان كذا بسبب كذا . قال : فلما علم ذلك منى وتحقق أنه صدر عنى ؛ احمرت عيناه وانتفخت شفتاه ، وقامت عروقه ولمعت بروقه « 1 » وأزبدت شدوقه « 2 » وأطرق إلى الأرض ، وكاد يأكل بعضه البعض ، وجعل يرجف ويرعد ويزأر كالأسد ويتململ كريشة تقلبها الريح في قاع البلد ، واستمر على ذلك زمانا يتأمل فيما يفعله بي إساءة وإحسانا ؛ إلى أن سكنت رعدته وبردت همته فآمنت سطوته وقهر جدى سورته « 3 » ، ثم أقبل علىّ ورفع رأسه إلى ، وقال : أما أنت
--> ( 1 ) أي لمعت عيناه من شدة الغضب . ( 2 ) أي خرج الزبد من فمه ، وهو علامة على شدة الغضب . ( 3 ) أي هدأ من الغضب .