أحمد بن محمد ابن عربشاه

241

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

فستلقى أبى غدا فيقتص له منك جبار السماء ، وأما أنا فلا أخفر ذمتي « 1 » ، ولا أضيع جواري وحرمتي ولا يصل إليك مكروه منى ؛ ولكن قم واخرج عنى فلست آمن نفسي عليك ، ولا أقدر بعد اليوم أنظر إليك ، ثم دفع إلىّ ألف دينار ، وقال : استعن بها على ما تختار فلم آخذها ولا نظرت إليها ، وخرجت من داره ولم أعرج عليها ولم أر أكرم من ذلك الرجل ، ولا أحلم ولا أعظم مكارم منه ولا أجسم . وإنما أوردت هذه الحكاية وقى الله مولانا الملك شر النكاية ؛ ليعلم أن الذنب الكبير يستدعى العفو الكثير ، ممن قدره عظيم وحسبه جسيم ونسبه كريم ، كما قيل في محكم الكتاب الحكيم وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [ فصلت : 34 - 35 ] . فقال الوزير : ناموس السلطنة وحشمتها ، وهيبة الملك وحرمتها له شروط ، كل منها محرر مضبوط ، وبالمحافظة عليه محوط ، ولا بد من إقامة أركانها وتشييد بنيانها ، ويجب الوفاء بها على المملوك والمالك ، ويفترض القيام بها على سلاطين الممالك ، والإخلال برعايتها وهن في الولاية ، فلا غنى عن العمل بها ورعايتها أحسن رعاية ، فمن ذلك أن لا يسامح جماعة ولا يغفل عنهم وعن كيدهم ساحة فساعة ، ولا يركن إليهم في إقامة ولا سير حيث لا يصدر عنهم للملك ولا للمملكة خير ، فمنهم من يعزل الإنسان عن منصبه من غير وقوف العزلة عن سببه ، ومنهم من يوالى أعداء الملك وهو ذو اجتراء منهمك ، ومنهم من يراعى مصلحة نفسه ويقدمها على مصلحة مخدومه في حالتي رخائه وبأسه ، ومنهم من يفشى سره ولا يراعى خيره وشره ، ومنهم من يتعرض لسقطه وغلطه لتغيير خاطره وسخطه ، ومنهم

--> ( 1 ) فلا أنقض عهدي .