أحمد بن محمد ابن عربشاه
229
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
قال : أرى صبيا وأظنه غويا نصب لي فخا يروم لي فيه زخا « 1 » ، وقد وقفت على مكايده ومناصب مصايده ، وعرفت مكيدته أين هي وإلى ما ذا تنتهى ، وأنا أتفرج عليه وأتقدم بالضحك إليه ، وأتعجب من تضييع أوقاته وتعطيل ساعاته فيما لا يعود عليه منه نفع ولا يفيده في قفاه سوى الصفع ، وأسخر من حركاته وأنبه من يمر على خزعبلاته ، فتركه الرجل وذهب وقضى حاجاته وانقلب فرأى الهدهد في يد الصبى يلعب به لعب الخلي بالشجىّ « 2 » ولسان حاله يلهج بمقاله : كعصفورة في يد طفل يهينها * تقاسى حياض الموت والطفل يلعب فلا الطفل ذو عقل يرق لحالها * ولا الطير مطلوق الجناح فيهرب فناداه وقال : يا أبا عباد كيف وقعت في شرك الصياد ، وقلت لي إنك وعيت ورأيت ما رأيت . فقال : أما سمعت أن الهدهد إذا نقر الأرض يعرف مسافة ما بينه وبين الماء ، ولا يبصر شعرة الفخ ؛ وذلك لينفذ ما كتبه الله تعالى وقدره من قضائه وقدره ، وناهيك في قضية القضاء والقدر قضية آدم أبى البشر مع موسى الكليم عليهما الصلاة والتسليم لما جرت عليه أحكام القضاء والقدر « 3 » فتمت مشيئة الله تعالى السابقة في علمه ، وجرى ما لم تدركه عقول الفحول في ميدان إرادته من سوابق حكمه وحكمته وأنشد الهدهد :
--> ( 1 ) أي يريد لي المكيدة أو الوقوع في الشرك . ( 2 ) الخلىّ : الخالي من الهم والحزن . والشجىّ : المهموم . ( 3 ) إشارة إلى حديث ( حج آدم وموسى ) وهو حديث أخرجه البخاري : كتاب التفسير ، باب ( 3 ) ( 4738 ) ولفظه عن أبي هريرة رضى اللّه عنه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « حاج آدم موسى وقال له : أنت الذي أخرجت الناس من الجنة بذنبك وأشقيتهم . قال آدم : يا موسى أنت اصطفاك الله برسالته وبكلامه ، أتلومني على أمر كتبه علىّ قبل أن يخلقني . قال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم فحاج آدم موسى » .