أحمد بن محمد ابن عربشاه
224
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
المكامن من الدخول إلى الخزائن ، فلاحت له فرصة فانتهزها واستعمل دقائق صنعه وأبرزها ، وانتقل من ذلك إلى المبيت ولطئ « 1 » تحت سرير الملك كالعفريت ، والملك نائم فوق السرير على فراش الحرير معانق الظبي الغرير « 2 » ، وخرزة التاج عند رأسه تقد « 3 » كأنها سراج متقد ؛ فقصد اللص أخذها واقتطاعها وفلذها « 4 » . فأمهل القوم إلى أن استغرقوا في النوم ، وبينما هو متفكر فما به إذ خرج البرغوث من ثيابه ودخل إلى جسد السلطان ، وقص عليه بلسان القرص كل ما كان من شأن اللص ، فنهض الملك من مرقده فرأى نقطة على جسده ، فطلب النور لينظر الأمور فرأى برغوثا طار ونزل تحت السرير فقصوا أثره على المسير ، فوجدوا الحرامى الكسير فربطوه كالأسير ، ووقع في الأمر العسير بالأمر اليسير فصار كما قيل : مشى برجليه عمدا نحو مصرعه * ليقضى اللّه أمرا كان مفعولا وإنما أوردت هذا المثل ؛ لتعلم يا أبا نوفل أن سرا في الفؤاد لا يؤمن عليه الجماد ؛ فضلا عن متحرك من حيوان ، ونعوذ بالله إن كان من جنس الإنسان . وقد قيل : للحيطان آذان ، ومن أمثال العجم الأوباش : للديوان أكواش . فلما انقضى هذا الكلام وكان الأسد قد استوفاه على التمام ، وقد أثار في أحشائه لهبا ، نهض من مرقده ممتلئا غضبا ، واستحال وتحرك ، وأمر بأبى نوفل فقضبوا عليه ، ووضعوا الغلّ ، في رقبته والسلاسل في يديه ورجليه ، وأمر إلى السجن برفعه بعد التنكيل به وصفعه ، فتشوّش خاطر صديقه وجليسه ورفيقه . ثم انفض المجلس النظيم ودخل الملك إلى الحريم .
--> ( 1 ) لصق بالأرض . ( 2 ) صغير السن ، الجميل . ( 3 ) متوهجة . ( 4 ) قطعها .