أحمد بن محمد ابن عربشاه
225
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
فتوجه أخو نهشل إلى السجن المقفل ، ولام صاحبه أبا نوفل وزاد في التعنيف ، وقال : أيها الأخ الطريف ألم تعلم أن الشخص إذا تكلم يضبط كلامه عليه ، ويعود محصول ما يلفظ به إليه ، وقد قال الرب المجيد ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ ق : 18 ] . وإن كثرة الكلام تضر بالنفس أكثر مما يضر بالبدن الطعام . وكل هذا المصاب إنما جاء من قبل الإعجاب وكثرة الكلام والغرور وعدم التأمل في عواقب الأمور قال الشاعر : ما إن ندمت على سكوتى مرة * ولقد ندمت على الكلام مرارا قال حكماء الهند ، وفضلاء السند : ما دام الكلام في الفؤاد ولم يبد منه على اللسان باد ، ولم يصب منه سائل حرف في صدفة الآذان ، أو وعاء الطرف ، فهو كالبنت البكر المشهورة الذكر ، كل أحد يخطبها ويميل إليها ويطلبها ، ويتمنى أن يراها ويرتشف لماها « 1 » ، فإن ألقى إلى المسامع ووعاه كل ناظر وسامع ، فهو كالعجوز الشوهاء « 2 » إذا سلوها وقلوها ، وهي تلازم صباحا ومساء ويفر منها الرجال والنساء ، ويحيد كل أحد عنها ، فإذا تكلمت أسكتت وإذا سلمت أعرض عنها . وقال بعض الحكماء : اللسان أسد وهو حارس الرأس والجسد ، إن حبسته حرسك ، وإن أطلقته حبسك ، وإن سلطته افترسك . وقالوا : الكلام أسيرك ما لم تبده ، فإن تكلمت به فأنت أسيره . قال بعض الحكماء : أنا على ما لم أقل أقدر منى على ما قلت . وقال عيسى صلوات الله عليه : العافية عشرة أجزاء ؛ تسعة منها في الصمت إلا عن ذكر الله ، وواحد منها في ترك مجالسة السفهاء .
--> ( 1 ) اللمى : سواد محبوب في الشفاه ، المعنى : يقبلها . ( 2 ) العابسة القبيحة المنظر .