أحمد بن محمد ابن عربشاه

211

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

يقال : إن الشيوخ أكمل عقلا من الشباب ، وقيل : من بيّضت الحوادث سواد لمّته « 1 » ، وأخلقت التجارب لباس جدته ، وأرضعه الدهر من وقائع الأيام أخلاف ذريته ، وأراه الله تعالى لكثرة ممارسته تصاريف أقداره وأقضيته ؛ كان جديرا برزانة العقل ورجاحته ؛ فهو في قومه بمنزلة النبي في أمته . قال بعض الحكماء : كفى بالتجارب تأدبا وبتقلب الأيام عظة . وقالوا : التجربة مرآة العقل . وقال : ألم تر أن العقل زين لأهله * ولكن تمام العقل طول التجارب قال العفريت : ما فائدة العقل ؟ قال العالم : فائدته الإرشاد في بيداء الجهالة إلى جادة الرشاد ، والإعانة في الشدائد والوقوع في مصايد المكايد ، وحصول الخلاص من شرك الاقتناص ، وإجابة الإغاثة عند الاستعانة والاستغاثة ، ومد المعونة إذا انكسرت من الجبل السفينة في بحر الملامة ، والخلاص إلى بر السلامة ، والإغناء من كنز السعادة ، والصبر عند استيلاء نوائب الفقر . قال : فمن العاقل في العالم ومن يطلق عليه هذا الاسم من بني آدم ؟ قال العالم : العاقل من يحتمل إذا ضيم ، ومن هو في الغضب حليم ، فإذا أعطى شكر ، وإذا منع صبر ، ويعفو إذا قدر ، ويستهين بأمور الدنيا ولا يغفل عن أمور الأخرى . قال العفريت : ما الفائدة في حب الدنيا والرغبة إلى ما فيها من الأشياء ، ولأي معنى غلب الحرص والهوى والرغبة فيها على أهلها وبنيها ؟ قال العالم : لأجل قيام العالم وانتظامه على المنهج الأقوم وبقائه

--> ( 1 ) الشعر المجاوز شحمة الأذن .