أحمد بن محمد ابن عربشاه

212

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

المطلوب إلى الأجل المضروب ، الذي قدره موجده القديم الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [ يس : 79 ] . ولا بدّ من أن تتم كلمته وتنفذ مشيئته ، ولولا الحرص والأمل ؛ لبطل العلم والعمل ، فإنهما لحجاب الغفلة يغشيان أعين البصائر ويغطيان طرق الاستدلال والضمائر ، فلذلك ذهلت العقول عن التأمل في العواقب ، واشتغلت بالتهائها « 1 » عما يجب عليها أن تراقب ، ولولا طول الأمل ؛ لما رجى العمل ولما انتظم أمر المعاش ، ولا اهتم لادخار قوت ورياش ، ولا افتكر صاحب اليوم في أحوال غد ، ولارتفعت المعاملات ، وما داين أحدا أحد ، ولا زرع زارع ، ولا غرس غارس ، ولا بنى بان ، ولا اخضر يابس ، ولانقرض إذ ذاك نظم العالم وبانقراضه تنقرض أمور بني آدم . قال العفريت : أخبرني عن أصل الإنسان ومم جوهره وجوهر الملك والجان ؟ قال الشيخ : أما جوهر الملك : فمن العقل المحض براه رب السماوات والأرض ؛ ولذلك لا يصدر من الملائكة إلا الشيم المباركة من الطاعات لمولاهم والانقياد لأوامر من أنشأهم ، وامتثال ما أمر من أمر مروم ، وما منا إلا له مقام معلوم لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ [ التحريم : 6 ] . وأما جوهر الجان ؛ وأصلك يا أخس شيطان : فمن الأخلاق الذميمة والصفات المشومة ، فلهذا لا يوجد منكم إلا المكر والبيلسة والشيطنة والوسوسة ، وأنحس بصفاتكم من صفة ولم يكن بينكم وبين الحق معرفة ، فأنتم يا أنحس بغيض ، وأنجس نهيض مع الملائكة في طرفي نقيض . وأما جوهر الإنسان : فما اشتملت عليه صفاتا الملك والجان ، فمن غلب عقله شهوته ؛ ألبس من مكارم الشيم خلعته ، واضمحلت ظلمات نفسه في أنواع الطاعة ، وتجلت صفاته ذاته من سنن الأبرار في جماعة ، وخط

--> ( 1 ) لعب الدنيا ومتعها .