أحمد بن محمد ابن عربشاه

185

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

يتراءى للعين الشكل الواحد اثنين ، ولهذا نظير في اليوم المطير ، وأحسن مثال عند رشق النبال وفي تدوير المحجن « 1 » ، وفتل الصولجان عند سرعة الدوران . وقيل : كان معه رمحان فعده واحدا وهما اثنان ، وعندي يا دمية القصر « 2 » أنه ليس المراد الحصر ، وإنما المراد التكثير يا ضرة البدر المنير ؛ لأن عطفه كلما انهز هزه حصل في صدر المتيم وخزه ، ورمح قامته يتثنى ويتقصف فتارة يميل وأخرى يتثقف ولطعن العشاق يخطر ويتهفهف ، فالمتيم لا يبرح من قده في طعنات كما لم يزل من سهام جفنه في محزات « 3 » ووخزات ، وهو من المجاز المرسل ؛ إذ المراد الطعن من ذلك الأسل « 4 » وكان قصده أن يسرد الأعداد لا إلى غاية ويبلغ بها إلى ما لا نهاية ، فيقول : ثان وثالث ورابع وخامس وسادس وسابع ، فلم تسع القافية يا من هي بوصلها شافية ، ورضابها عافية ، ونظير هذا يا جرة إن تستغفر لهم سبعين مرة وليس المراد الحصر يا رقيقة الخصر ، ويا عين العين في السبعين حتى لو زاد على هذا العدد لغفر لهم الواحد الصمد بل المراد أنه لا يغفر لهم ولو زاد . فقالت : يا صاحب البيان وربه ؛ إنما عنى بالرمح الواحد زيه « 5 » ، فأفصحت له بالكلام عما لها من مرام ، كأنها ثالثة بنات همام . فخجلت عين الرجل واستحت ، لما أفصحت عن مقصودها وأوضحت .

--> ( 1 ) العصا الملتوية الرأس . ( 2 ) تحفة أو حلية القصر . ( 3 ) الزجر . ( 4 ) الرمح . ( 5 ) فرج الرجل .