أحمد بن محمد ابن عربشاه

186

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

فقالت : حبيت وحييت لا تستح واصنع ما شيت فحركت بهذا الكلام العابث من الشيخ الحكيم الرمح الثالث ، فمد إليها يد الفاجر العائث ، وذهب لب ذلك الرجل الحازم ، وراودها مراودة العازم الجازم وصارت تلك اللاعة « 1 » بين الإطماع والمناعة تتثنى وتنقصف ؛ فتارة تتثقف وأخرى تتخسف ، وبينماهما في المجاذبة والمداعبة والمطايبة ، وهي تنزوى وتلين وتصعب وتستكين إذ تراءى لها زوجها من بعيد . فقالت : جاء زوجي وهو عنيف عنيد ، فسلب القرار وطلب الفرار ، ووقع ذلك الحكيم النبيه في فتنة فيها الحليم سفيه ، ودهمه ما هو أهم مما هو فيه من دواهي العشق ودواعيه ، ونسي العشق والعشيق ، وطلب الخلاص من المضيق وأظهر صورة حاله ما عناه الشاعر في قاله : سألت مجربا طبا عليما * خبير بالوقائع مستعاذا وقلت : الشهد أحلى أم رضاب * أم النيك الذي للروح حاذى فقال : وحق ربى النفس أولى * إذا جر الجزا هذا وهذا واشتغل الحكيم بنفسه وخاف حلول رمسه ، وكان في طرف البيت صندوق مقفل عليه ستر مسبل ففتحت له الصندوق ، ورعت له بإخفائه عن زوجها الحقوق « 2 » . وأمرته بولوجه ؛ ليكفى من زوجها شر خروجه فشكر لها صنعها وامتثل وانسل إلى ذلك اللحد الضيق ودخل فأقفلت عليه أغلاقه ، وأحكمت وثاقه ، ثم تلقت زوجها بالترحاب ودخلت معه في الأطعمة من كل باب ، وقدمت له ما أكل ، وانسدحت له « 3 » فركب ووكل .

--> ( 1 ) المرأة التي تغازلك ولا تمكنك من نفسها . ( 2 ) الغيور الشرس . ( 3 ) استلقت على ظهرها وفرجت بين رجليها .