أحمد بن محمد ابن عربشاه

182

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

[ 31 ] [ الحكيم وزوجة الرئيس : ] فقال : ذكر أن حكيما من العلماء وعالما من الحكماء ؛ أولع بضبط مكر النساء ، وشرع في تدوينه صباحا ومساء ، وصار يجول البلدان ، ويطالع لذلك كل ديوان ويكتب ما يكون وما كان ، ويحرر من ذلك الأوزان بالمكيال والميزان ، فنزل في بعض الآناء على حي من الأحياء ، فصادف ذلك التعيس بنت الرئيس ، فتلقته امرأة ظريفة ذات شمائل لطيفة وحركات رشيقة خفيفة ، وقابلته بالترحاب ، وفتحت للدخول الباب فأقبل عليها وترامى لديها ، فأنزلته في صدر البيت وأخذت معه في كيت وكيت ، كأنها معرفة قديمة وحديثة كريمة ، وكان زوجها غائبا قد قصد جانبا فشرعت في نزل الضيف ؛ لئلا تنسب إلى بخل وحيف « 1 » ، فأخذ يطالع في ديوانه ويسرح سوائم « 2 » ، طرفه في ظرف بستانه يشغل أوقاته ، ويتفكر ما فاته ليتعاطى إثباته . فقالت له ضرة الريم « 3 » : ما هذا الكتاب العظيم أيها الفاضل الحكيم ؟ فقال : شيء صنعته وكتاب ألفته ، وهو في الغربة أنيسى ، وفي الوحدة جليسى . فقالت : يا ذا الحكم والحلم ما فيه من فنون العلم ؟ . فقال : سر مصون وأمر مخزون ودر مكنون ، لا يجوز إبداؤه ولا يحل إفشاؤه . فقالت : يا ذا الشكل الظريف ، والوصف اللطيف ، والعلم المنيف هذا التعريف لا يليق بالتصنيف ، فإن فائدة التصنيف الاشتهار ، وثمرة العلم الانتشار ، ودونك ما قاله الكئيب في مخاطبة الحبيب : أذقنى من رضابك يا حبيبي * فما للشهد دون الذوق لذة وما أخذ الله على الجهال أن يتعلموا حتى أخذ على العلماء أن يعلموا .

--> ( 1 ) الظلم . ( 2 ) أي يطلق نظراته في بستانه . ( 3 ) الغزال .