أحمد بن محمد ابن عربشاه

170

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

فلما رأى العفريت خور ذلك الصفريت « 1 » ، وإنه نكل « 2 » عن المقاومة ، ونكص « 3 » عن المصادمة ، خاف أن تكون آراء الوزراء تبعا لرأيه في عدم لقائه وظنهم مستحسنين لدهائه مستصوبين لآرائه ، فأرخى عنان الكلام ليقف على ما عندهم من مرام ، وكان عزمه المباحثة والمعابثة والمباعثة والتصدي للإقدام ، وإلقاء المسائل بحضرة الخاص والعام ، لكن مشى مع إمام الوزراء ليرى ما هم عليه من الآراء . فقال للوزير : نعم ما قلت أيها الوزير والرأي ما أشرت من الرأي والتدبير ، فإن الله تعالى خلقنا من النار ، وطبعها الإهلاك والدمار ، وإحراق كل رطب ويابس وبارد وحار والظلم والخسار ، والإفناء والجهل والبوار وطلب الرفعة وعدم القرار ، وإفساد ما تجده من غير فرق بين نفاع وضرار ، وخلقهم من تراب وإليه الإياب ، وطبعه الحلم والسكون والترابية والركون ، والعلم والعدل والإحسان والفضل ، ومع هذا فلو خرجوا عن مادة ما جبلوا عليه وتلبسوا بغير ما ندبوا إليه ولو أدنى الخروج ، ورعوا ما للمارج من مروج ؛ لتحكمنا فيهم كما نختار وللعبنا بهم كما يلعب بالكرة الصغار ، ونحن إذا خرجنا عن دائرة طبعنا ، وتخالفت أوصاف أصلنا وفرعنا ، ونقلنا إلى دائرة الخير عن جادة الشر أقدام صنعنا لا يقع لنا منهم صيد ، ولا يؤثر لنا فيهم سيف كيد ، فإذ عجزنا عن الإيذاء في الظاهر لم يبق إلا الإغواء من باطن الضمائر ، والتعلق بأسباب ما نصل إليه من الحيل البواطن والظواهر . فقد قال الحكماء وأهل التجارب ومن ابتلى من مكايد الدهر بالنوائب ومنى من ذلك بالعجائب والغرائب : إذا تصدى الإنسان وقصد غريمه وعجز

--> ( 1 ) الجبان . ( 2 ) خاف وتراجع . ( 3 ) تراجع وفر هاربا .