أحمد بن محمد ابن عربشاه

171

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

عن مقاومته في الحكومة والخصومة ، فعليه بهدم ذلك الجبل بمغناطيس الخداع ومعاويل الحيل ، ويستعين في ذلك بأهل النجدة وذوى البطش الشديد والشدة ، فيتوصل بهم إلى حسم ذلك الداء ولو كانوا أعداء غير أودّاء ، فتسليط بعض الأعداء على بعض من أيمن سنّة بل من أحسن فرض ، ولقد أحسن من قال : تفرقت غنمي يوما فقلت لها * يا ربّ سلط عليها الذئب والضبعا ولا يوجد في هذا الباب لجمع شمل الأعداء أوثق من تفريق الأحباب ومصداقه قوله تعالى لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا [ التوبة : 47 ] . وما قويت أعضاد الإسلام إلا باجتماع كلمة الأنصار والالتئام ؛ ولهذا قصد من نافقوا لما ترافق الأنصار وتوافقوا أن يتشاققوا ويتفارقوا ، فأنزل عليهم وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا [ آل عمران : 103 ] . وهذا الفن يحتاج إلى فكر عميق ، ومكر دقيق ، وعقل كبير ، وفعل كثير ، ومصيب رأى وتدبير ، وسلوك في طريق اصطناع ، كما فعلت الفأرة من الخداع . فقال الوزير : ينعم مولانا الباقعة « 1 » بتحقيق هذه الواقعة . [ 28 ] [ خداع الفأرة : ] فقال : سمعت أن بعض التجار كان له بستان في دار ، وإلى جانبه حاصل « 2 » فيه المغل المتواصل « 3 » ، وفي ذلك الحاصل وكر لشاطر « 4 » من شطار الفار ، له عدة منافذ وإلى الجهات طرق ومآخذ ، أحدها إلى جهة البستان ، والبستان كأنه جنة رضوان . فكانت الفأرة ذات الشطارة والمهارة تأخذ من الغلات وأطائب الطعامات ما يكفيها غداء وعشاء صيفا وشتاء ،

--> ( 1 ) الداهية شديد الذكاء . ( 2 ) الجى به مجتمع من الناس . ( 3 ) المغل المتواصل : جيل بعد جيل . ( 4 ) لص قاطع طريق .