أحمد بن محمد ابن عربشاه

161

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

للثمار ملابس الأشجار من الأذيال والأكمام ، فألجأت الضرورة ذلك الإنسان أن خرج من البستان ، ثم رجع في الحال فرأى فيه أربعة رجال أحدهم جندي ، والآخر شريف « 1 » ، والثالث فقيه ، والرابع تاجر ظريف ، قد أكلوا وسقوا وناموا واتفقوا وتصرفوا في ذاك تصرف الملاك ، وأفسدوا فسادا فاحشا خادشا ومارشا « 2 » وناوشا وناكشا ، فأضر ذلك بحاله ورأى العجز في أفعاله ، إذ هو وحيد وهم أربعة وكل عتيد ، فسارع إلى التأخيذ وعزم على التفخيذ « 3 » ، فابتدأ بالترحيب والبشاشة والإكرام والهشاشة ، وأحضر لهم من أطائب الفاكهة ، وطايبهم بالمفاكهة ، وسامح بالممازحة ومازح بالمسامحة إلى أن اطمأنوا واستكانوا واستكنوا ، ودخلوا في اللعب ولاعبوه بما يحب . فقال في أثناء الكلام : أيها السادة الكرام لقد حزتم أطراف المعارف ، والطّرف « 4 » ، فأي شيء تعانون من الحرف ؟ فقال أحدهم : أنا جندي . وقال الآخر : وأنا رسول الله جدى . وقال الثالث أنا فقيه . وقال الرابع : أنا تاجر نبيه . فقال : والله لست بنبيه ولكن تاجر سفيه وقبيح الشكل كريه ، أما الجندي فإنه مالك رقابنا وحارس حجابنا ، يحفظ بصولته ويصون أنفسنا وأموالنا وأولادنا بسيف دولته ، ويجعل نفسه لنا وقاية ، وينكى في أعدائنا أشد نكاية ، فلو مد يده إلى كل منا ورزقه فهو بعض استحقاقه ودون حقه ، وأما الشريف فإن جده هدانا ، ومن النار أنجانا وقد ملكنا كرامة وحبا لقوله تعالى قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى [ الشورى : 23 ] وقد تشرف به اليوم مكاني ، وحلت به البركة علىّ وعلى بستاني ، وأما سيدنا العالم فهو مرشد العالم وهو سراج ديننا الهادي إلى يقيننا ، فإذا شرفونا بإقدامهم ورضوا أن نكون من خدامهم ؛ فلهم الفضل علينا والمنة الواصلة إلينا ، وما أنت يا

--> ( 1 ) الشريف : في الغالب من ينتسب إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . ( 2 ) المرش : الخدش والحك بأطراف الأصابع . ( 3 ) التفخيذ : التفريق . ( 4 ) الطرائف من العلوم .