أحمد بن محمد ابن عربشاه
151
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
وكان هذا العفريت العاتى المارد المواتى تحت يده وأمره من مقتبسى تلبيسه ومكره الشياطين المردة ، وأغوال العفاريت العندة طوائف شتى وأمم لا تحصى ، وممن فاقهم في المكر والمراء أربعة أشخاص كبراء وزراء ؛ كلّ منهم في الشيطنة ، والموالسة « 1 » ، ومعرفة طرق الوسوسة كأبى علي بن سينا « 2 » في علم الهندسة ، غاية لا تدرك ، ونهاية لا تستدرك . فاجتمع هذا الغول بوزرائه ورؤساء أشياعه وكبرائه ، ثم قال لهم : أفتوني في أمرى وساعدونى على فكرى وسكرى ، ووجه الخطاب لكبيرهم الذي علمهم السحر المشار إليه في الدهاء والمكر ، وقال له : ما رأيك في هذه القضية والمواقف الردية والداهية . فقال الوزير : يا مولانا الأمير وصاحب المكر والتدبير ، إن العقلاء وذوى التجارب من الحكماء تفرسوا بأمر قاطع من الوقائع القواطع ، فقالوا : شيئان لا بقاء لهما ؛ الروح في الجسد ، والسعد في الطالع ، وهذا هو الصواب ولكل أجل كتاب ، وما دام الأجل باقيا والسعد راقيا ، ومنادم السلامة ساقيا ، وحافظ العوارض واقيا لا ينفع الجد ولا يدفع الجد ولا يرفع الجهد ما أثبت السعد ، فإذا تم الأجل وبطل من السعد العمل انتكس السعد وانقلب وفارقت الروح بلا سبب ، وإذا كان كذلك فهذا الرجل الناسك سعده عمّال ، وطالعه في إقبال فكل سهم مكر فوّقناه « 3 » إلى نحو حياته يعود علينا ، وكل رمح فكر صوبنا سنانه إلى شاكلة بقائه يرجع إلينا ، فالرأي عندي أن نتربص حتى تدور به الدوائر ولا نهتم باحتيال محتال ولا مكر ماكر ، إلى أن تنقضى مدته ويسقط من سعد طالعه قوّته ، فعند ذلك يفيد سعينا ولا يضيع كدنا .
--> ( 1 ) الخداع والخبث . ( 2 ) ابن سينا ، أبو علي : فيلسوف وطبيب وعالم من كبار فلاسفة الإسلام وأطبائهم ، عرف بالشيخ الرئيس توفى سنة ( 1037 ) م . سير أعلام النبلاء ( 4004 ) . ( 3 ) فوق السهم : وجهه .