أحمد بن محمد ابن عربشاه
141
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
وشبع ، فقد قيل : إذا شبعت فلا تهتم للجوع فكم من شعبان مات قبل أن يجوع ، وإذا اكتسيت فلا تهتم للعرية ؛ فكم من مكتس مات وثيابه جديدة مطوية . واعلم أن طبع الدنيا بالمخالفة كأنها على المخالفة محالفة ، فإذا ضممت عنها يدك إليك أقبلت عليك وجاءت تهوى تحت قدميك ، وإذا طلبتها هربت ، منك وكلما ارتبطت إليها انحلت عنك وقد قيل أيها الملك الجليل : مثل الرزق الذي تطلبه ، مثل الظل الذي يمشى معك أنت لا تدركه مستعجلا ، وإذا وليت عنه تبعك . ثم اعلم أيها الخاقان : إنك وإن كنت ذا التصرف والسلطان ، وأن هذه الخلائق رعيتك نافذة فيها بمراسيمها منيتك ، إلا أنك في الحقيقة واحد منهم لا تزيد بشئ في الذات والصفات عنهم ، ولكن الله القديم العالم الحكيم سلطان السلاطين بل خلق الأولين والآخرين رفعك عليهم ، وتقدم بأمره أن يطيعوك إليهم فقال من له الخلق والأمر أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ [ النساء : 59 ] . فهم قد أذعنوا لك وأطاعوك فراعهم كما هم راعوك ، واطلب لهم أسنى المراعى وأبهاها ، وأوردهم أعذب المشارب وأصفاها فإن الملك الذي سلمهم إليك ، سوف يتقدم بالسؤال عنهم إليك ، وقد قال من أنت خليفته على أمته « كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته » « 1 » . فكن لهم كما تريد أن يكونوا لك ، ودن لهم كما تحب أن يديفوا لك . واعلم أيها الملك الودود : أن هذه النقود إن لم تصرف في مصارفها ،
--> ( 1 ) حديث : أخرجه البخاري : كتاب النكاح ، باب قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً ( 5188 ) .