أحمد بن محمد ابن عربشاه
140
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
واعلم أن أعدى عدوك بين جنبيك ؛ وهي نفسك التي قط ما ركنت إليك ، فاعص هواها ولا تعطها مناها ، فإن في اتباعها الندم عاجلا والحسرة آجلا ، لا بقليل تقنع ولا بكثير تشبع ، ولا تظن أنها إذا أعطيت مناها شكرت ، أو إذا ذكّرتها من برأها ذكرت ، بل متى أمنتها كفرت ، أو آنستها نفرت ، أو أرخيت عنانها بطرت وأشرت « 1 » ، وإن نالت مطلبا أو تناولت مأربا انتقلت عنه وطلبت أعلى منه ، فليس لها دواء إلا القمع عن دواعي الهوى كما قيل : النفس راغبة إذا رغبتها * وإذا تردّ إلى قليل تقنع وكما قيل أيضا : وما النفس إلّا حيث يجعلها الفتى * فإن أهملت تاقت وإلّا تسلت وكما قيل أيضا : قنع النفس بالقليل وإلا * طلبت منك فوق ما يرضيها وإياك وطول الأمل فإنه مفسدة للعلم والعمل . قال الحكماء وعقلاء العلماء : الأمل شبكة الشيطان ، وموجب الحرمان ، فاجهد ما دام لك على النفس ملكة أن تخلص نفسك من هذه الشبكة ، ولا تهتم للأقوات فكل ما قسّم ما فيه فوات وكل ما هو آت آت ، وكل ما رقمه « 2 » القلم في القدم وأثبته قضاء الله تعالى عليك وأنت في العدم ، سواء كان خيرا أم شرا نفعا أم ضرا ؛ فأنت ملاقيه وعلى كل حال موافيه ، فاقطع دواعي الطمع عمن لا يضر ولا ينفع لا عمن إن شاء ضر وإن شاء نفع ، ولا تجتمع إلا بمثلك في الجماعات والجمع ، ولا تتعب لجوع وعرى واكتساء
--> ( 1 ) بطر ومرح . ( 2 ) كتبه .