أحمد بن محمد ابن عربشاه
139
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
سما لقتلهما ، وأما هما فعلى قتله عزما واستعدا لذلك بعد ما جزما ، ليصير المال بينهما نصفين ، ويصيرا في ذلك كالأخوين الإلفين ، ويكون ذلك كأنه وراثة لأن شر الرفقاء ثلاثة ، ولم يدعهما إلى ذلك غير داعى الشهوة وأكد ذلك داعى الحرص ، وأبخس بها من دعوه . فلما فصل ذلك بالأكل بادرا إليه بالقتل ، ثم بعد ما قتلاه عمدا إلى الطعام فأكلاه فبردا « 1 » في الحال وتركا ذلك المال ولحقا بصاحبهما التالف ، وسيّبا تليد « 2 » المال والطارف . وإنما أوردت هذه الموعظة ؛ لأنها على أحوال الدهر موقظة ، وإن كان مولانا الخاقان في أموره يقظان ، لكن قد قال رب العالمين وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ [ الذاريات : 55 ] . واعلم يا مولانا الخاقان ، كفاك الله مكايد الشيطان وأنجح مقاصدك على مر الزمان ، أن الدرجة العلية والمرتبة السنية لا تنال بقوة ولا عزمة ولا شجاعة ولا همة ، وإنما هي عناية ربانية وأسرار رحمانية لأقوام سبقت لهم من الله الحسنى وزيادة ، وانتظموا في سلك أهل السعادة ، فهم أهل الفضل والسيادة ، أسبغ الله عليهم سواطع الأنوار وقطعهم عن قواطع الأشرار ، فهم السادة الأخيار والقادة الأبرار ، قاموا بأداء ما وجب عليهم وتركوا ما خلفهم واستبشروا بما لديهم ، فأنوارهم ساطعة وأسرارهم لجميع الأوهام قاطعة ، تركوا زخارف هذه الدار وأرادوا دار القرار ، وجوار الملك الغفار ، فهم الهداة إلى الله الدالون على الله ، لا يعتريهم كدر الأوهام ولا يشتغلون عن خدمة خالقهم مدى الأيام ، هم العباد المكرمون ، العباد المقربون ، قال الله تعالى وهو أصدق القائلين في كتابه المكنون أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ [ يونس : 62 ، 63 ] .
--> ( 1 ) أي مات . ( 2 ) تليد المال : عزيزة وكثيرة .