أحمد بن محمد ابن عربشاه
136
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
يتفرغ من الغوغاء « 1 » للعبادة لأنها تستدعى عزلة العابد وانفراده ، وتخليه لمناجاة معبوده ليظفر من حلاوة الطاعة بمقصوده ، فأسأل مولانا الخاقان ذا الفضل والإحسان بيتا يتخلى فيه للعبادة ومكانا يضع فيه خرثى « 2 » البيت وعتاده ، فقال : حبا وكرامة وقربا وسلامة . ثم اجتمع الملك بصهره الذي به فاخر وذكر له أنه أعطاه بيتا آخر ، أحدهما : يكون لخلوته ومبيته ، والآخر : يضع ما يحتاجه من عتاده وقوته . فقال الزاهد : أيها الملك الماجد ، فعلت ذلك لتقسيم خاطري ، وتوزع فكرى ومرائرى « 3 » ، ولا طاقة لي أن أتعلق بمكانين ، وما جعل الله لرجل من قلبين ، وإنما الزاهد من همه في الدنيا واحد ، فإنه على عدد التعلقات يتوزع القلب الشتات ، وإذا تعددت الأماكن يحتاج كل منها إلى ساكن أو حافظ أو ضابط أو حارس أو رابط ، وأنا لا اعتماد لي بحفظ نفسي أيها الولي ، فكيف يكون لي اقتدار على حفظ الأغيار وإذا انقسمت أفكاري وفسد بالى ، فكيف أقدر على صلاح حالي ، وأنّى يصلح مع فسادى أمور معاشى ومعادى ، ثم إني إذا وزعت نفسي فقد نبهت راقد حرصي ، والحرص أفعى قاتل وأسد صائل يقتلني بسهمه بل بمجرد شمه . فقال الملك الكبير : لا تهتم لذلك أيها الزاهد الخطير ؛ فإن لي أماكن عديدة وقصور مشيدة وحواصل مصونة ، وخزائن مكنونة ، الكل تحت تصرفك واختيارك لا منازع لك فيه ولا مشارك ، فاجعل لكل جنس من قماشك وأثاثك ورياشك ، وما يقوم بأودك ومعاشك مكانا على حدة وناحية حفظ منفردة ، واتخذ لنفسك مقاما خاصا بك لا عاما ، وأنا أقيم على كل مكان حارسا ، إن شئت راجلا وإن شئت فارسا ، فعند احتياجك إلى شيء أتاك هنا ميسرا من غير كد ولا عى ، وتفرغ أنت لعبادتك واشتغالك بأمور آخرتك .
--> ( 1 ) العامة من الناس . ( 2 ) أي قليل المتاع . ( 3 ) العزائم .