أحمد بن محمد ابن عربشاه

137

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

قال الزاهد : أيها الملك المجاهد الاغترار بالقصور من جملة القصور ، والاعتماد على الحصون من دواعي الجنون ، وإذا ورد من الملك الغفور طلب على يد القبور فما ذا تجدى الدور والقصور ، وما ذا تنفع الحصون أو يدفع كل مكان مصون ، وإذا آذن بالجلول ذلك الخطب المهول تود النفس لو كانت القصور الممهدة والبروج المشيدة ، أذل من أفحوص قطاة « 1 » ، وأقل من عطش بزاة « 2 » وقد قيل : قميص من القطن أو حلّة * وشربة ماء قراح وقوت ينال بها المرء ما يرتجى * وهذا كثير على من يموت واعلم أيها الخاقان ؛ إن النفس لها خادمان مطيعان مجيبان ، ولما تأمر به سميعان ، وهما الشهوة والحرص الشديد الدعوة . أما الشهوة : فرائد الأكل الكثير والشرب . وأما الحرص فعائد الرعونة والعجب وقد قيل : فهذا يقود إلى طبعه * وهذا يسوق إلى ربعه فهما ليلا ونهارا وسرا وجهارا ، يزينان لها ما طبعا عليه ، ويجذبانها إلى ما جبلا إليه ، ويقاضيانها حقهما ويطالبانها مستحقهما ، ولا بد للمخدوم من إقامة أود خادمة واسترضاء أنيسه ومنادمه ، وقد قال من أتقن المقال : إنّ اللبيب أخا اللبيب هو الّذى * مع تيهه يحنو على عشاقه وكذا الرئيس وأنت أكبر جنسه * من فاض في الخدام من أرزاقه يهتم إن حضروا له بنوا له * يغتم إن غابوا على أشواقه مع أنّ حشمته وفائض علمه * ترقى بكلّ منتهى استحقاقه

--> ( 1 ) القطاة : الأنثى من الطيور . والأفحوص : المكان الذي تحفره القطاة ، لتحفظ فيه البيض . ( 2 ) بزاة ، مفردها باز : أحد الطيور الجارحة .