أحمد بن محمد ابن عربشاه
135
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
الدنيا غرض ، وهو بحسن الصفات موصوف ، وفي كرخ العبادة « 1 » والاجتهاد معروف ، جامع لهذه الصفات ، ليس له إلى الدنيا وأهلها التفات ، مشغول باكتساب الآخرة وطلب نعمتها الفاخرة ، وهو من نسل الملوك وقد ترك وراءهم السلوك ، وسلك في العلم والعمل السبيل الأقوم حتى كأنه محمد ابن الحسن « 2 » ، أو إبراهيم بن أدهم « 3 » ، ولشدة ما هو لنفسه مجاهد سماه الناس الملك الزاهد ، فاجمع الخاقان على مصاهرته وجعل التقرب إليه قربة لآخرته ، فأخبر ابنته به وكان جل مطلوبها ومطلوبه ، وعقد بينهم النكاح وحصل الفلاح والصلاح ، فوافق شن « 4 » طبقة وصار لعين مرامها كالحدقة ، ومضى على ذلك برهة وهما في طيب عيش ونزهة . فاشتاق الخاقان في بعض الأزمان إلى رؤية ابنته وسرور مهجته ، فقام لدارها بقصد مزارها لينظر حالها وما عليها وما لها ، فوجدها في عيش هنى وأمر سنى « 5 » ، فسألها عن أحوال زوجها الزاهد ، وكيف صبرها على حالها الجاهد ، فأثت خيرا ، وكفت ضرا وضيرا ، وقالت : جميع ما يبرزه ويأتيه على حسب ما أريده وأرتضيه ، وارتفاعات أحوالنا بسعادة مولانا في دفاتر الأمن منضبطة ، وعقود حياتنا بيمين صدقاته في نحور الرفاهية غير منفرطة ؛ غير أن بيتنا واحد وبسبب ذلك يتضرر هذا العابد فيه نبيت وفيه نقيل ، وبجوانبه ما لنا من خفيف وثقيل وقوت ونقود وخادم ومولود ، فلا
--> ( 1 ) مكان العبادة . ( 2 ) محمد بن الحسن الشيباني ، الفقيه الإمام ، قاض المسلمين ، أحد الأعلام ، صاحب أبي حنيفة النعمان . البداية والنهاية ( 10 / 110 ) . ( 3 ) إبراهيم بن أدهم ، من كبار الزهاد ، ومن تلاميذ الحسن البصري ، قضى عمره في السياحة والزهد توفى سنة ( 161 ) ه . سير أعلام النبلاء ( 1156 ) . ( 4 ) أي تآلفا وامتزجا . ( 5 ) رضى ورفعة .