أحمد بن محمد ابن عربشاه

124

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

فلما سمع الصاحب اللبق هذا الكلام القلق ، تضجر وتضرر وتنكد وتضور « 1 » ، وقال : يا أخي بيتي عتيق مع أنه جحر مضيق لا يسع أولادي ولا زادي وعتادى ، وإذا ضاق عن الأحياء فكيف بالأموات ، وهذه بلية من أوحش البليات ، وأظنها لا تخفى على الناس ، ويدركها أولو الفراسة والأغبياء ؛ فضلا عن الأكياس ؛ لأن قضاياكم قبل اليوم مشهورة وبلغني أن عداوتكم قديمة مذكورة ، وفي التواريخ وصدور الكتب مسطورة ، ولكم وقعات ونوازل وله أيتام كأنهم الزغب الجوازل « 2 » ، وأما أنا فلا يمكنني الدخول فيها ولا تعاطيها بوجه من الوجوه ولا تلافيها ، فاكفنى شر ضيرها واندبنى إلى غيرها ، وإني أكتم سرها فلا تخف من جهتي شرها ، فألح عليه فما أقاد « 3 » ورده غير ظافر بما أراد . فلما أيس منه تركه وانتقل عنه ودار على سائر أصحابه وذكر لهم مثل الأول وخطابه ، فكان جواب الجميع مثل جوابه إلى أن أتى على الجميع واستوفى شريفهم والوضيع ، ورأى ما هم عليه من طبع بديع ، كأنهم كانوا متواردين على شرب هذا الصنيع ، فعاد إلى دار أبيه ورجع إلى صحة بيان التنبيه ، فقال له : بمدير الفلك « 4 » أحققت صدق ما قلت لك ، وتبينت ماهية أصدقائك وحقيقة أوليائك ، وإنهم نقش حيطان ورقش غيطان « 5 » وغمام بلا مطر ، وأكمام بلا زهر وآجام « 6 » بلا ثمر .

--> ( 1 ) تألم . ( 2 ) الزغب الجوازل : صغار الطيور لم ينبت ريشها بعد . والمراد : الصغار الذين لا حول لهم ولا قوة . ( 3 ) أفاد . ( 4 ) بمدير الفلك : أقسم بالله سبحانه وتعالى . ( 5 ) أي لا فائدة منهم . ( 6 ) آجام ، مفردها أجمة : الشجر الكثيف .