أحمد بن محمد ابن عربشاه

125

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

ثم قال : قم يا زين الأحباب أريك ما قلت من حقيقة الأصحاب ، ثم دخلا الطريق وقصد أنصف الصديق ، وطرقا الباب فخرج وتلقاهما بالترحاب ، فقال له ذلك المقال وقصد بمعونته الخلاص من ذلك العقال « 1 » فقال : حبا وكرامة حللتما بمنزل السلامة ، أنا بكم نشيط وأجلكم بي بسيط ، غير أنى أعلمكم أن منزلي غير فسيح حتى أدفن فيه هذا الذبيح ، وليس لي مخبأة ولا مخدع ولا سكن في مطاويه ولا مصنع ، وأخاف أن أمركم لا يختفى ، وبهذا المقدار في أمركم لا أكتفى ، ويدي لا تملك غيره وقد وقعت بهذا السبب في حيرة . وبالجملة والتفصيل أنا أكفيكما شر هذا القتيل ، فقالا : لا نقتنع بذلك ولكن سد عنا المسالك . فقال : توجها حيث شئتما فلا أنا سمعت ولا أنتما قلتما . فتوجها إلى الصديق الكامل ، وذكرا له الأمر الحامل وقصدا بتلاقيه كرمه الشامل . فقال لهما : أو شيء غير ذلك وقاكما الله شر المهالك ، فقالا : لا إلا دفن هذا المقتول وإخفاء هذا الأمر المهول ، وأن نكون تحت أذيالك الساترة حتى تسكن هذه الفتنة الثائرة ، فإن أهله يطلبونا فإن وجدونا يسلبونا ، ولا يرضون إلا بالدمار وخراب الديار ولا يقنعون بالمال والعقار « 2 » ، وهذه قضية عظيمة وداهية جسيمة فإن كنت تنهض بإطفائها وحمل أعبائها ، وتسعى في إخفائها ؛ فقد قصدناك ودون الأصحاب أردناك ، فإن عجزت عن سدها فلا عتب عليك في ردها ولا تتكلف فوق طاقتك ، ولا تتجشم لأجلنا غير استطاعتك . فقال : سبحان الله وا سوأتاه هذا يوم المروءة والوفاء ، وتذكر رسائل إخوان الصفاء « 3 » فلكم الفضل إذ قصدتمونى والجميلة التامة حيث أردتمونى ،

--> ( 1 ) المأزق . ( 2 ) المنازل . ( 3 ) إخوان الصفا : جماعة ذات طابع ديني سياسي ، توفيقية في نهجها ، نشأت في البصرة ، جمعوا بين الفكرين الإسلامي واليوناني وبالأخص الفيثاغورى ، ودونوا تعاليمهم في رسائل كتبت بأسلوب مسهب .