أحمد بن محمد ابن عربشاه

121

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

إلى أن ذهبت السكرة وجاءت الفكرة ونفقت البيضاء والصفراء « 1 » في الحمراء والخضراء « 2 » وأصبح ملقى على الأرض السوداء ، وأتعس من فوق الغبراء « 3 » ، وأفلس من تحت الزرقاء « 4 » ، وتراجع عنه الأصحاب وعاداه الأصدقاء والأحباب ورجعوا عنه بعد ما سئموا منه ، وصار ناديه يناديه : كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا * أنيس ولم يسمر بمكة سامر « 5 » وصارت محبتهم له تكلفا ، ورؤيتهم إياه تعسفا ، فاتفق له في بعض الأيام أن قال في أثناء الكلام لذلك الجمع بعينه الذين كانوا أجمعوا على صدق مينه « 6 » : الفار الغدار أكل لنا في الدار البارحة رغيفا كاملا فأتى على أكله شاملا ، فما أبقى منه لبابة ولا غادر من غدير وجوده صبابة « 7 » ، فتنادوا للحال بالمحال ، والكذب في الأقوال الفار الضعيف كيف يأكل كل الرغيف وهو عاجز ونحيف ، وتناولوه بالطعن ، وتناوشوه بألسنة السب واللعن ، وزيفوا أقواله وسفهوا أفعاله . وإنما ذكرت هذا الكلام يا أيمن غلام وأحسن من البدر التمام ؛ لتعلم أن أكثر من يدّعى صدق الصحابة من ذوى المعارف والقرابة ، إنما دعواه كذابة كسحاب صيف لا يديم انسكابه ، وإن الشخص مع الناس الأوغاد والأكياس بمنزلة كوز الفقاع « 8 » ؛ إن رأوا فيه حلاوة الانتفاع استلموه

--> ( 1 ) البيضاء والصفراء : الفضة والذهب ، والمراد : الدراهم والدنانير . ( 2 ) الحمراء والخضراء : الخمور . ( 3 ) الأرض . ( 4 ) السماء . ( 5 ) الحجون : جبل بمكة . معجم البلدان ( 3528 ) . ( 6 ) الكذب . ( 7 ) القليل من الماء . ( 8 ) الفقاع : الشراب يتخذ من الشعير أو من الأثمار . سمى به لما يعلوه من الزبد .