أحمد بن محمد ابن عربشاه

122

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

وبالأيدي رفعوه وقبلوه ورشفوه ، وإذا مضّوا « 1 » محصوله وفرغوه ورموه وتركوه وتحت الأقدام طرحوه ، ثم قال التاجر لولده : راحة روحه وجسده وإن كان من صحبتهم ، وفي سفرك اكتسبتهم مثل هؤلاء الأصحاب ، فإياك أن تفتح لهم الباب وترفع بينك وبينهم الحجاب . فقال الولد : معاذ الله الواحد الأحد ، يا أبت عندي ثبت أنهم بدور كرام وصدور عظام يقومون لقيامي ، وينصتون لكلامي ، ويجيبون ندائي ، ويؤمنون على دعائي ، وهم أخلاء في السراء والضراء . فقال أبوه : اعلم يا ابني وقرة عيني إني عمرت سبعين سنة ، وعاينت من الأمور الخشنة والحسنة ، وبلوت الأصحاب وتلوت الأعداء والأحباب ، ورأيت الدنيا وأهلها ، وقلّبت وعرها وسهلها ، ولم أترك من جنس بني آدم في أكناف الآفاق ، وأطراف العالم من أمم العرب والعجم نوعا لم أخبره وصنفا لم أسبره « 2 » ، فلم يصف لي على التحقيق غير صديق ونصف صديق ، فأنت يا بنى العزيز الغالي كيف قدرت بالتوالي في هذه المدة اليسيرة على جمع هذه الطائفة الكثيرة ، وها أنا يا إمام أريك مصداق هذا الكلام وأطلعك من بين الأصحاب على مالهم من مقام . ثم عمد إلى شاة فذبحها وبدمها في ثياب طرحها ثم دمجها ، وفي كفن أدرجها وقال لابنه : قم يا ذا الارتقاء أرني هؤلاء الأصدقاء واحدا بعد واحد ؛ لتحقق غيب عيبهم بالشاهد ، وتعرف طرائقهم وتتبين حقائقهم ، ثم وضع الشاة في عدل « 3 » وأخفى كل هذا الفعل وحمل العدل على ظهر غلام ، وخرج ليلا والناس نيام ، وقصد أحد الأصحاب وطرق عليه الباب ، فخرج مسرعا إليه وترامى متواضعا بين

--> ( 1 ) أي أنهوا ما فيه . ( 2 ) أمتحنه . ( 3 ) ما تحمل فيه الأشياء .