أحمد بن محمد ابن عربشاه

113

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

ليفى بوعدها واحترق صبرها من نار سمها ووقدها ، وتقاعد الثعلب عنها ينتظر ما يتأتى منها ، فحملها مثير الوجد إليه وساقها الأجل المحتوم إلى أن قدمت عليه ، فدخلت وكره وقبلت يده وصدره فتمكن منها ذلك الغادر ومزقها كما يريد ، فصارت كالأمس الغابر . وإنما أوردت هذا التمثيل ؛ لئلا يكون أصحاب مولانا السلطان من هذا القبيل ، فيكون المعتمد عليهم والمستند إليهم كالنائم على تيار الأنهار ، والمؤسس بنيانه على شفا جرف هار « 1 » . قال الملك : معاذ الله يا ولدى وقرة عيني وكبدي أن يكون صاحبي ومعتمدى من هذا النمط وشبيها بالعفريت والثعلب والبط ؛ بل كل من أصحابي وسائر أوليائي وأحبابي ما منهم إلا الصديق المهذب ، والرفيق المؤدب ، والشفيق المدرب ، والعتيق المجرب ، وقد جربته في المودة والإخاء والشدة والرخاء والمروءة والسخاء كما جرى ذلك للتاجر المجرّب صديقه في الشدة والارتخاء . قال الولد ينعم مولانا الإمام بتقرير هذا الكلام . [ 17 ] [ التاجر المجرب صديقه في الشدة والارتخاء : ] قال الملك : بلغني أن بعض التجار الأكرمين الأخيار والكرماء الأبرار ، كان له مال جزيل ، وولد صالح جليل سعيد الطالع ، سديد المطالع عالي الهمة متوالى الحشمة ، ميمون الحركات جميل الصفات ، حسن الصورة مشكور السيرة طاهر السريرة . وكان أبوه قد تخيل فيه مخايل السعادة ، وتفرس فيه آثار النجابة والإجادة فكان لا يصبر عن تأديبه وإرشاده إلى سبيل الخير وتهذيبه ، وتربيته بمكارم الأخلاق وترتيبه . فقال له : يا بنى إن الإنسان يحتاج إلى كل شيء وأعظم ما يحتاج إليه ويعوّل في التحصيل عليه الصاحب الصافي ، والصديق المصافى ، والرفيق المساعد في وقت الشدائد ،

--> ( 1 ) الجرف : الجزء المتآكل من شاطئ النهر ، وجرف هار : أي ضعيف ساقط .