أحمد بن محمد ابن عربشاه
114
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
فإن المال ميال ، والذهب ذاهب ، والفضة منفضة ، والملبوس بوس ، والمأكل متآكل ، والخيل خيال ، والفواضل شواغل ، والدهر قاصى ، والعصر عاصى ، والأقارب عقارب ، والوالد معاند ، والولد كمد ، والأخ فخ ، والعم عم ، والخال خيال ، والدنيا وما عليها لا يركن إليها ، وما ثم إلا رفيق ذو وفاء مجبول على الصدق والصفاء ، إن غبت ذكرك وإن حضرت شكرك ، مأمون على نفسك ومالك وأهلك وعيالك في حالك ومآلك ، إن غاب صانك وإن حضر زانك ، فهو أفضل موجود يقتنى ، وأحسن مودود يصطفى ، فإن ظفرت به فتشبث بسببه . ثم قال له : يا بنى قد أقمت في الحضر وانقضى لك فيه ما ذقت مما حلا ومر ، فلا بأس أن تحيط علما بأحوال السفر ، فإن السفر محكّ الرجال ، ومجلبة الأموال ، ومكسبة التجارب ، ومرآة العجائب والغرائب ، فاعزم على بركة الله تعالى وتوكل عليه واصحب معك فيه ما تحتاج إليه . ثم أفاض عليه المال وأضاف إليه صالحي الرجال وحين ودعه ووصاه واستودعه قال : يا بنى لا تجعل دأبك وطلبك واكتسابك إلا استجلاب الصاحب النافع دون سائر المنافع ؛ فإنه أوفر بضاعة وأربح تجارة ، وليس على الصديق الصدوق أبدا خسارة ، واجعله في سفرك نصب عينك واشتره بنفسك ومالك ونقدك ودينك وقد قيل : أخاك أخاك إنّ من لا أخا له * كساع إلى الهيجا بغير سلاح « 1 » والمراد به الصديق . واعلم أن الأخ الصلبى « 2 » ربما يضرك ، وأما الصديق الصالح فإنه أبدا يسرك ، والصاحب الشفيق خير من الأخ الشقيق . وقد قيل : رب أخ لم تلده أمك .
--> ( 1 ) الهيجا : الحرب . ( 2 ) الأخ من الأب أو الشقيق .