أحمد بن محمد ابن عربشاه
106
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
عامل كامل فاضل ، هو بركة البلاد والعباد ، مادة الصلاح وقاطع الفساد ، وهو ضيف الحدّاد الذي فرط منكم في حقه سوء الأدب ، فأدركوه بالطلب وأسرعوا نحوه ، والتمسوا منه دعوة ؛ وإلا فولدكم هالك عنوة ، وبادروا باللحوق ؛ لئلا يخرج السهم من فوق فإن سهم هذا المصاب بسبب ذلك أصاب . فركب الملك بنفسه وسارع إلى باب حبسه ، ودخل عليه وأكب على رجليه ، وطلب دعاءه ورام لولده شفاءه فتوضا وصلى ، وأعرض عنهم وتولى ، وتوجه ودعا فحصل للولد الشفا ، ونهض في الحال كأنما نشط من عقال . ثم إن العفريت الجائح « 1 » أتى الرجل السائح وقال : لا تحسب إني إذا كافيتك صادقتك أو صافيتك ، كيف وعداوتنا قديمة مغروزة ، وغروس التباغض في حدائق ذواتنا مركوزة ، أنا من نار وأنت من تراب ، شيمتك الترابية ، وشيمتى الإحراق والخراب ، ومتى استقام أعوج مع قوام « 2 » أو وجد بين المتباينين التئام ؛ وإنما كان هذا الوفاء لئلا ينسب إلى الجفاء ، ونحن على الكدر دون الصفاء ، على ما نحن عليه من العدوان ، وإن لم يصر بيننا معرفة ولا كان ، ثم صار شعلة لهب وترك السائح وذهب . ثم قال ابن الملك : ومن أنواع المحبة والصداقة وما يتأكد فيها من العلاقة نوع محبة تتوفر فيه الرغبة ، ينشأ من فرط الشهوة ويركب من صاحبه على الصهوة « 3 » ، وتميل إليه النفس والطبيعة ، ولكن تكون استحالته سريعة فيزول بأدنى سبب ، ويشبه شواظ اللهب يتلهب ساعة وقد ذهب ، وربما أدى إلى الهلاك والعطب ، كما فعل بالبطة الثعلب ، حيث كانت محبتها
--> ( 1 ) الداهية . ( 2 ) استقامة . ( 3 ) الصهوة : موضع جلوس الفارس على ظهر جواده .