أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني

660

العمدة في صناعة الشعر ونقده

[ الرجز ] كأنّه من عرق يسربله * ككرسف النّدّاف لولا بلله « 1 » فإنه لو قال : « فإنه الكرسف » لم يكن في حسن هذا ؛ لأنه يشهد بتقارب الشبهين إلى أن وقع الشك . والمبالغة في صناعة الشعر كالاستراحة من الشاعر / إذا أعياه إيراد معنى حسن بالغ ، فيشغل الأسماع بما هو محال ، ويهوّل مع ذلك على السامعين ، وإنما « 2 » يقصدها من ليس بمتمكّن من محاسن الكلام إذ تمكنه ، ولا تتعذر عليه ، وتنجذب كلما أرادها إليه » . انقضى كلامه . - وفيه كفاية وبلاغ ، إلا أنه - فيما يظهر من فحواه - لم يرد إلا ما كان فيه بعد ، وليس كل مبالغة كذلك ، ألا ترى أن التتميم إذا طلبت حقيقته كان ضربا من المبالغة ، وإن ظهر أنه من أنواع الحشو المستحسن ، وقد مرّ ذكره ، وكذلك ما ناسب قول ابن المعتز يصف خيلا « 3 » : [ الطويل ] صببنا عليها ظالمين سياطنا * فطارت بها أيد سراع وأرجل « 4 » وهذا عند جميع الناس من باب الحشو ، وهو عندي مبالغة ، وكذلك الإيغال ، وسيرد في بابه إن شاء اللّه . - فمن أحسن المبالغة وأغربها عند الحذاق التّقصّى ، وهو بلوغ الشاعر أقصى ما يمكن من وصف الشيء ، كقول عمرو بن الأيهم التغلبي « 5 » :

--> ( 1 ) سقط الشطر الأول من ع وص ، وفي ف والمغربيتين : « كأنه من زبد . . . في كرسف . . . » وهو يوافق الديوان . ويسربله : يغطيه كالسربال وهو القميص . والكرسف : القطن . ( 2 ) انظر هذا في كفاية الطالب 233 ( 3 ) ديوان ابن المعتز 1 / 282 وسيأتي في باب الحشو وفضول الكلام ص 688 ( 4 ) انظر ما قيل عنه في حلية المحاضرة 1 / 191 ، في أبدع حشو انتظمه بيت أورد لإقامة وزنه ، والمنصف 76 ، وسر الفصاحة 266 ، وفي تحرير التحبير 321 في باب الإغراق ، وفي نهاية الأرب 7 / 149 تحت قوله : « وأما الإغراق » ، وفي كفاية الطالب 341 ، في باب الحشو . ( 5 ) البيت في نقد الشعر 141 ، والصناعتين 366 ، وإعجاز القرآن 91 ، وتحرير التحبير 147 ، ونهاية الأرب 7 / 124 ، ومعاهد التنصيص 3 / 25 ، وكفاية الطالب 233 ، وفي الجميع ما عدا كفاية الطالب « . . . حيث مالا » .