أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني

659

العمدة في صناعة الشعر ونقده

فليست لذلك من أحسن الكلام ، ولا أفخره ؛ لأنها لا تقع موقع القبول ، كما يقع الاقتصاد وما قاربه ؛ لأنه ينبغي أن يكون من أهم أغراض الشاعر والمتكلم أيضا - الإبانة والإفصاح ، وتقريب المعنى على السامع ؛ فإن العرب إنما فضّلت بالبيان والفصاحة ، وحلا منطقها في الصدور ، وقبلته النفوس لأساليب حسنة ، وإشارات لطيفة تكسبه بيانا ، وتصوّره في القلوب تصويرا . ولو كان الشعر هو المبالغة لكانت الحاضرة والمتأخرون « 1 » أشعر من القدماء ، وقد رأيناهم احتالوا للكلام ، حتى قرّبوه من فهم السامع بالاستعارات وبالمجازات « 2 » التي استعملوها ، وبالتّشكّك في الشّبهين ، كما قال ذو الرمة « 3 » : [ الطويل ] أيا ظبية الوعساء بين جلاجل * وبين النّقا آنت أم أمّ سالم ؟ « 4 » فلو « 5 » أنه قال : أنت أمّ سالم ، على نفى التشكك « 6 » ، بل لو قال : « أنت أحسن من الظبية » لما حلّ من القلوب محل التشكك ، وكما قال جرير « 7 » : [ الوافر ] فإنّك لو رأيت عبيد تيم * وتيما ، قلت : أيّهم العبيد ؟ « 8 » فلو قال : عبيدهم « 9 » خير منهم ، لما ظنّ به الصدق ، فاحتال في تقريب المشابهة ؛ لأن في قربها لطافة تقع في القلوب ، وتدعو إلى التصديق ، وكذلك قول أبى النجم يصف عرف الخيل « 10 » :

--> ( 1 ) في المطبوعتين فقط : « والمحدثون . . . » . ( 2 ) في المطبوعتين والمغربيتين : « والمجازات » . ( 3 ) ديوان ذي الرمة 2 / 767 وسيأتي الشطر الأول في ص 682 ( 4 ) في ع والمطبوعتين : « فيا ظبية . . . » ، وأشير إليها في هامش الديوان ، وما في ص وف والمغربيتين يوافق الديوان . ( 5 ) في ع : « فلو أنه قال أنت أم أم سالم ، على الشك . . . » [ كذا ] ولا يستقيم مع المقصود . ( 6 ) في المطبوعتين : « . . . الشك » ، وفي ف : « التشكيك » . ( 7 ) ديوان جرير 1 / 332 وسيأتي الشطر الأول في ص 683 ( 8 ) في الديوان : « وإنك لو لقيت . . . » ، وفي ص جاء بعد البيت قوله : فيقضى الأمر حين تغيب تيم * ولا يستأذنون وهم شهود ( 9 ) في ف والمطبوعتين فقط : « عبيدهم أو خير منهم . . . » . ( 10 ) ديوان أبى النجم العجلي 168 و 170