أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني
736
العمدة في صناعة الشعر ونقده
- ومثل ذلك قول المفضّل الضبي بين يدي الرشيد ، والكسائي « 1 » حاضر ، في معنى قول الفرزدق « 2 » : [ الطويل ] أخذنا بآفاق السّماء عليكم * لنا قمراها والنّجوم الطّوالع وقد سأل الأمين والمأمون : ما معناه ؟ فقالا : معناه في قوله : « قمراها » تغليب المستعمل عندهم ؛ لأن القمر أكثر استعمالا عند العرب من الشمس ، وكذلك قولهم : « العمران » لما كان « عمر » أطول أياما ، وأكثر تأثيرا ، فقال الرشيد : هكذا أخبرنا هذا الشيخ ، وأشار إلى الكسائي « 3 » . فقال المفضل : بل مراده ب « العمرين » جدّاك « إبراهيم » و « محمد صلى اللّه عليهما » وب « النجوم الطوالع » أنت وآباؤك الطيبون . فأعجب الرشيد بذلك ، ووصله . والفرزدق ما قصد إلى شيء من ذلك ، ولا أراده ، ولا علم أن الرشيد / « 4 » يكون بعده أمير المؤمنين ، وإنما أراد أن كلّ مشهور فاضل فهو لنا عليكم ، ومنّا لا منكم ، فنحن أشرف بيتا ، وأظهر فضلا ، وأبعد صوتا ، إلا أن التي جاء بها المفضل ملحة أفادت مالا « 5 » .
--> ( 1 ) هو علي بن حمزة بن عبد اللّه بن بهمن بن فيروز الأسدي ، مولاهم ، يكنى أبا الحسن ، ويلقب بالكسائى ؛ لكساء أحرم فيه ، كان أعلم الناس بالنحو ، وواحدهم في الغريب ، وأوحد في علم القرآن ، كان ذا منزلة رفيعة عند الرشيد . ت 189 ه . المعارف 545 ، والفهرست 72 ، وطبقات الزبيدي 127 ، وتاريخ بغداد 11 / 403 ، ومعجم الأدباء 13 / 167 ، ووفيات الأعيان 3 / 295 ، وإنباه الرواة 2 / 256 ، ونزهة الألباء 58 ، وبغية الوعاة 2 / 162 ، والنجوم الزاهرة 2 / 130 ، والشذرات 1 / 321 ، وسير أعلام النبلاء 9 / 131 وما فيه من مصادر . ( 2 ) ديوان الفرزدق 2 / 519 ( 3 ) انظر البيت وموضوع التغليب في الكامل 1 / 143 ، والعقد الفريد 2 / 486 ( 4 ) في المطبوعتين فقط : « . . . أن الرشيد بعده يكون . . . » . ( 5 ) نفاق العلماء للحكام إما أن يفيدهم مالا ، وإما أن يفيدهم منصبا يأتي بالمال ، وإما أن يفيد الحاكم جبروتا وطغيانا ، وليس هذا مقصورا على عصر دون آخر ! ! هذا ولم أعثر على مصدر ذكر قول المفضل هذا .