أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني

19

العمدة في صناعة الشعر ونقده

- وقال بعضهم - وأظنه أبا / العباس الناشئ « 1 » - : العلم عند الفلاسفة ثلاث طبقات : أعلى : وهو علم ما غاب عن الحواس ، فأدرك بالعقل أو القياس . وأوسط : وهو علم الآداب النفيسة التي أظهرها العقل من الأشياء الطبيعية ، كالأعداد ، والمساحات ، وصناعة التنجيم « 2 » ، وصناعة اللحون . وأسفل : وهو العلم بالأشياء الجزئية ، والأشخاص / الجسمية . فوجب - إذا كانت العلوم أفضلها ، ما لم تشارك فيه الجسوم - أن يكون أفضل الصناعات ، ما لم تشارك فيه الآلات ، وإذا كانت اللحون عند الفلاسفة أعظم أركان العمل الذي هو أحد قسمي الفلسفة ، وجدنا الشعر أقدم من لحنه لا محالة ، فكان أعظم من الذي هو أعظم أركان الفلسفة ، والفلسفة عندهم علم وعمل . هذا معنى كلام « 3 » المنقول عنه مختصرا ، وليس نصا . - فإن قيل في الشعر : إنه سبب التكفّف ، وأخذ الأعراض ، وما أشبه ذلك ، لم يلحقه من هذا « 4 » إلا ما يلحق المنثور . - ومن فضائله أن اليونانيين إنما كانت أشعارهم « 5 » تقييدا لعلم الأشياء النفسيّة والطبعيّة « 5 » التي يخشى ذهابها ، فكيف ظنك بالعرب الذي هو فخرها العظيم ، وقسطاسها المستقيم ؟ ! - وزعم صاحب الموسيقى أن ألذّ الملاذّ كلها اللحن ، ونحن نعلم أن الأوزان قواعد الألحان « 6 » والأشعار معايير الأوتار لا محالة ، مع أن مهنة صاحب الألحان « 6 »

--> ( 1 ) هو عبد اللّه بن محمد بن شرشير الأنباري ، يكنى أبا العباس ، ويلقب بالناشئ الأكبر أو الكبير ، من كبار المتكلمين ، وأعيان الشعراء ، وكان قوى العربية والعروض ، أدخل على قواعد الخليل شبها ، سكن مصر ، وبها مات سنة 293 ه . تاريخ بغداد 10 / 92 ، وإنباه الرواة 2 / 128 ، وشذرات الذهب 2 / 214 ، وسير أعلام النبلاء 14 / 40 وما فيه من مصادر ، والنجوم الزاهرة 3 / 158 ، ووفيات الأعيان 3 / 91 ، وحسن المحاضرة 1 / 559 ، والوافي بالوفيات 17 / 522 ( 2 ) سقط قوله : « وصناعة التنجيم » من ص ، وسقطت « صناعة » من ف ، وما اعتمدته من المطبوعتين يوافق المغربيتين . ( 3 ) في ف والمطبوعتين : « الكلام » ، وما في ص يوافق المغربيتين . ( 4 ) في المطبوعتين : « ذلك » . ( 5 - 5 ) في المطبوعتين : « تقييد العلوم والأشياء النفيسة والطبيعية » ، وفي ف : « . . . النفيسة والطبيعية » . ( 6 - 6 ) ما بين الرقمين ساقط من ص ، والزيادة من ف والمغربيتين والمطبوعتين ، وفي المطبوعتين : « مع أن صنعة . . . » بدل : « مهنة » واعتمدت ما في ف .