أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني

370

العمدة في صناعة الشعر ونقده

- ومن الشعراء من لا يجيد الابتداء ، ولا يتكلّف له ، ثم يجيد باقي القصيدة ، وأكثرهم فعلا لذلك البحتري ، كان يصنع الابتداء سهلا ، ويأتي به عفوا ، وكلما تمادى قوى كلامه ، وله من جيد الابتداءات كثير ؛ لكثرة شعره ، والغالب عليه ما قدمت ، غير أن القاضي الجرجاني فضّله بجودة الاستهلال - وهو الابتداء - على أبى تمام وأبى الطيب ، وفضّلهما عليه بالخروج والخاتمة « 1 » . - ولست أرى لذلك وجها إلا كثرة شعره ، كما قدمت ، « 2 » فإنه لو حاسبهما ابتداء جيدا بابتداء ما لأربى عليهما ، وقصّرا « 3 » عن عدده « 2 » . - وأما الحاتمي فإنه يغضّ من أبى عبادة غضّا شديدا ، ويجوز عليه جورا بيّنا ، لا يقبل منه ، ولا يسلّم إليه « 4 » . - وكان أبو تمام فخم الابتداء ، له روعة ، وعليه أبّهة ، كقوله « 5 » : [ الكامل ] الحقّ أبلج والسّيوف عوار * فحذار من أسد العرين حذار

--> ( 1 ) انظر الوساطة 48 ( 2 - 2 ) ما بين الرقمين ساقط من ص والمغربيتين ، واعتمدت من ف والمطبوعتين ما يوافق الغرض ، فبين الجميع اختلاف . ( 3 ) في ف : « وقطر عن عدده » ، وفي المطبوعتين ومغربية : « وقصرا عن عذره » ، وفي المغربية الأخرى « وقصرا عن عدوه » . ( 4 ) اقرأ رأى الحاتمي هذا في حلية المحاضرة 1 / 221 - 227 ، وفيه نرى أن الحاتمي اخترع مجلسا عند بعض الرؤساء - لم يذكر لنا من هو - كما اخترع شيخا من شيوخ البصرة الذين يحبون البحتري - ولم يذكر لنا اسمه أيضا - وذلك ليستعرض أفانينه في القول والغض من البحتري ، ويتضح لنا من عرضه زهوه الشديد وتعاليه بصورة غير مقبولة ، وسأنقل جملة من قوله توضح ذلك ، يقول : « ووجدت صاحب المجلس يؤثر سماع كلامنا في هذا المعنى ، فأنشأت قولا أنحيت فيه على البحتري إنحاء أسرفت فيه ، واقتدحت زناد الشيخ به ، فتكلم ، وتكلمت ، وخضنا في أفانين من التفضيل والمماثلة ، فعلوته في جميعها علوا شهده من حضر المجلس ، وكانوا جلة الوقت ، وأعيان أهل الأدب بالبصرة » ! ! أليس كل ذلك من اختراعه ؟ ! ثم إننا لو سلمنا له بما قال لوجب على الشعراء جميعا أن يصمتوا ؛ لأن المعاني كلها تحدث عنها السابقون ، فكأنه باختراعه يوجه كلامه إلى كل من يفضل البحتري ، ولذلك حق لابن رشيق أن يقول إنه « لا يقبل منه ولا يسلم إليه » . ( 5 ) ديوان أبى تمام 2 / 198