أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني

365

العمدة في صناعة الشعر ونقده

وقال كرّة أخرى في مثل ذلك يتشكّى « 1 » : [ الكامل ] وحبيت من خوص الرّكاب بأسود * من دارش فغدوت أمشى راكبا « 2 » وقال أيضا يتصعلك ويتفقّر : [ المنسرح ] ومهمه جبته على قدمي * تعجز عنه العرامس الذّلل « 3 » بصارمى مرتد بمخبرتى * مجتزئ بالظّلام مشتمل « 4 » - ولو شاء قائل أن يقول : إن أبا نواس لم يرد ما ذهب إليه أبو الطيب ، لكن أراد أنه معه في بلدة واحدة ، قصده في حاجته محتذيا نعليه لكان ذلك وجها « 5 » ، ما لم يكن الحضرمىّ « 6 » من الجلود مخصوصا به المسافر دون الحاضر ، وظاهر الكلام أن مقصد الشاعرين واحد . - وقد ذكر أبو الطيب الخيل أيضا في كثير من شعره ، وكان يؤثرها على الإبل ؛ لما يقوم في نفسه من التّهيّب بذكر الخيل ، وتعاطى الشجاعة ، فقال يذكر قدومه إلى مصر على خوف من سيف الدولة « 7 » : [ الطويل ] ويوم كليل العاشقين كمنته * أراقب فيه الشمس أيّان تغرب « 8 »

--> ( 1 ) ديوان المتنبي 1 / 125 ( 2 ) الخوص جمع خوصاء : وهي الناقة الغائرة العينين من الجهد والإعياء . الركاب : الإبل ، ويقصد النعل . والدارش : ضرب من الجلود ، وهو جلد الضأن ، يقول : بدّلت من خوص الركاب بخف أسود من رديء الجلود ، وأنا ماش راكب . ومن خوص الركاب : أي بدلا منها ، كقوله تعالى : وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً [ الزخرف 60 ] أي بدلا منكم [ من الديوان ] . ( 3 ) ديوان المتنبي 3 / 211 المهمة : الفلاة ، أو ما بعد من الأرض واتسع . جبته : قطعته . والعرامس : النوق الصلاب الشديدة . والذلل : المذللة بالعمل ، والمروّضة بالسير . ( 4 ) المخبرة : الخبرة والمعرفة . والاشتمال هنا من شمله الشئ إذا عمّه . ( 5 ) في ف والمطبوعتين : « . . . أظهر وجها » ، وما في ص يوافق المغربيتين . ( 6 ) يقصد لفظ « الحضرمي » الذي جاء في قول أبى نواس السابق . ( 7 ) ديوان المتنبي 1 / 179 ( 8 ) كمنته : اختفيت وقعدت بالكمين . وأيان بمعنى متى .