أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني
330
العمدة في صناعة الشعر ونقده
- وقد قيل في الذبياني : إنه إنما كان شعره نظيفا من العيوب لأنه قاله كبيرا ، ومات عن قرب ، ولم يهتر « 1 » ، وأكثر ما جاء الإهتار في صفة الكبير الذي يختلط كلامه ، وقولهم في شعر النابغة : إنه قاله كبيرا « 2 » يدل على أنه بهذا سمّى نابغة كما عند أكثر الناس ، لا لقوله : [ الوافر ] فقد نبغت لنا منهم شؤون « 3 » كما تقدم من قول بعضهم « 4 » . - ويقال : « أخلى الشاعر » ، كما يقال : « أخلى الرامي » ، إذا لم يصب معنى ، حكى عن البحتري أنه قال : فاوضت ابن الجهم عليّا في الشعر ، وذكر أشجع السلمى فقال : إنه كان يخلى ، فلم أفهمها عنه ، وأنفت أن أساله عنها ، فلما انصرفت فكرت فيها ، ونظرت في شعر أشجع ، فإذا هو ربما مرت له الأبيات مغسولة ، ليس فيها بيت رائع « 5 » . - ثم إن للناس / فيما بعد ضروبا مختلفة يستدعون بها الشعر ، فتشحذ القرائح ، وتنبه الخواطر ، وتلين عريكة الكلام ، وتسهل طريق المعنى ، كل امرئ على تركيب طبعه ، واطّراد عادته ، وسآتى « 6 » في ذلك من أقاويل العلماء بما أرجو أن تكون فيه هداية إن شاء اللّه تعالى .
--> ( 1 ) في طبقات ابن سلام 1 / 56 : « وإنما نبغ بالشعر بعد ما أسنّ واحتنك ، وهلك قبل أن يهتر » . وفي هامشه قال المحقق - رحمه اللّه - : « وأهتر الرجل - بالبناء للمجهول - صار إلى الهتر ، وهو سقط الكلام ، والخطأ فيه ، واللجاجة والهذيان به . وكذلك يكون إذا بلغ أرذل العمر » . ( 2 ) في ف : « كثيرا » وهو تصحيف ، وفي المطبوعتين : « وهو كبير » . ( 3 ) سبق تخريج هذا القول في باب من رفعه الشعر ومن وضعه ص 56 . ( 4 ) سبق هذا القول في باب من رفعه الشعر ومن وضعه ص 56 . ( 5 ) هذه الحكاية وردت بروايتين في الموشح 452 في الحديث عن أشجع السلمى ولكن غرضهما واحد ، وإن كان تفسير كلمة « مغسولة » يختلف في كل رواية ، ففي الأولى جاءت كما في العمدة ، وفي الأخرى : « فإذا هو ربما مرت له الأبيات مغسولة خالية من معنى ولفظ . . . » . ( 6 ) في ف والمطبوعتين : « وسيأتي ذلك في أقاويل . . . » ، وفي المغربيتين : « وسيأتي في ذلك من . . . » .