أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني

331

العمدة في صناعة الشعر ونقده

- قال بكر بن النطاح الحنفي « 1 » : الشعر مثل عين الماء ، إن تركتها اندفنت ، وإن استهتنتها هتنت « 2 » . - وليس مراد بكر أن تستهتن / بالعمل وحده ؛ لأنا نجد الشاعر تكلّ قريحته مع كثرة العمل مرارا ، وتنزف مادته ، وتنفد معانيه ، فإذا أجمّ « 3 » طبعه أياما - وربما كان زمانا طويلا « 4 » - ثم صنع الشعر جاء بكل آبدة « 5 » ، وانهمر في كل قافية شاردة « 6 » ، وانفتح له من المعاني والألفاظ ما لو رامه من قبل لاستغلق عليه ، وأبهم دونه ، لكن بالمذاكرة مرة ؛ فإنها تقدح زناد الخاطر ، وتفجر عيون المعاني ، وتوقظ أبصار الفطنة ، وبمطالعة الأشعار كرة ؛ فإنها تبعث الجسد « 7 » ، وتولد الشهوة . - وسئل ذو الرمة : كيف تعمل إذا انقفل دونك الشعر ، فقال : كيف ينقفل دونى وعندي مفاتحه ؟ قيل له : وعنه سألناك ، ما هو ؟ قال : الخلوة بذكر الأحباب « 8 » . - فهذا ؛ لأنه عاشق ، ولعمري إنه إذا انفتح للشاعر نسيب القصيدة فقد ولج من الباب ، ووضع رجله في الركاب ، على أن ذا الرمة لم يكن كثير المدح

--> ( 1 ) هو بكر بن النطاح الحنفي ، يكنى أبا وائل ، وهو من فرسان بنى حنيفة من أهل اليمامة ، وهو شاعر غزل ، انتقل إلى بغداد في زمن الرشيد ، واتصل بأبى دلف العجلي ، فأكرمه ، وأجرى له رزقا ثابتا إلى أن مات سنة 192 ه طبقات ابن المعتز 217 ، وما فيه من مصادر وتاريخ بغداد 7 / 90 ، والأغانى 19 / 106 ، وفوات الوفيات 1 / 219 ، وسمط اللآلي 1 / 520 ( 2 ) هتن : صبّ ، والهتنان : المطر الضعيف الدائم ، وهتنت السماء : صبت من المطر ما فوق الهطل . ( 3 ) أجمّ : أراح نفسه من العمل بعض الوقت . ( 4 ) في ف والمطبوعتين ومغربية : « وربما زمانا طويلا » ، والمغربية الأخرى مثل ص . ( 5 ) الآبدة : الأمر العظيم الذي ينفر منه ، والآبدة الداهية تبقى على الأبد ، والكلمة أو الفعلة الغربية يبقى ذكرها للأبد . ( 6 ) القافية الشاردة : القافية العائرة في سائر البلاد ، ويقال لها : قافية شرود . ( 7 ) في المطبوعتين : « الجد » ، وما في ص وف يوافق المغربيتين . ( 8 ) لم أعثر على هذا في المصادر التي تحت يدي .