أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني
308
العمدة في صناعة الشعر ونقده
- وأما البديهة فبعد أن يفكر الشاعر يسيرا ، ويكتب سريعا إن حضرت آلة ، إلا أنه غير بطيء ولا متراخ ، فإن أطال حتى يفرط ، أو قام من مجلسه لم يعدّ بديها . - وقالوا « 1 » : اجتمع الشعراء بباب الرشيد ، فأذن لهم ، فقال : من يجيز هذا القسيم وله حكمه ؟ فقالوا : وما هو يا أمير المؤمنين ؟ قال : [ المجتث ] الملك للّه وحده / فقال الجماز : وللخليفة بعده * وللمحبّ إذا ما حبيبه بات عنده فقال : أحسنت ، وأتيت على ما في نفسي « 2 » ، وأمر له بعشرة آلاف درهم . ! - ومن عجيب ما روى في البديهة حكاية أبى تمام حين أنشد أحمد بن المعتصم بحضرة أبى يوسف يعقوب بن إسحاق بن الصباح الكندي « 3 » ، فيلسوف العرب : [ الكامل ] إقدام عمرو في سماحة حاتم * في حلم أحنف في ذكاء إياس « 4 » فقال له الكندي : ما صنعت شيئا ، شبهت ابن أمير المؤمنين ، وولى عهد المسلمين بصعاليك العرب ! ! ومن هؤلاء الذين ذكرت ؟ وما / قدرهم ؟ فأطرق أبو تمام يسيرا ، وقال « 5 » :
--> ( 1 ) الخبر مع البيتين في بدائع البدائة 79 ، وكفاية الطالب 48 ، وتجد البيتين دون ذكر الخبر أو القائل في العقد الفريد 6 / 428 ( 2 ) في ص : « على ما في النفس » ، وما في ف والمطبوعتين والمغربيتين يوافق بدائع البدائة . ( 3 ) هو يعقوب بن إسحاق بن الصباح الكندي الأشعثى ، يكنى أبا يوسف ، من ولد الأشعث بن قيس أمير العرب ، كان رأسا في الفلسفة وحكمة الأوائل ، ومنطق اليونانيين ، والطب ، والتنجيم ، وله باع أطول في الهندسة والموسيقى ، وكان يقال له فيلسوف العرب ، وكان متهما في دينه بخيلا ، ساقط المروءة ، وله نظم جيد وبلاغة . الفهرست 315 ، وسير أعلام النبلاء 12 / 337 وما فيه من مصادر . ( 4 ) ديوان أبى تمام 2 / 249 وانظر ما قيل عن هذا البيت وما بعده في الموازنة 3 / 1 / 81 و 82 ( 5 ) ديوان أبى تمام 2 / 250 ، وأخبار أبى تمام 231 ، وبدائع البدائة 291 ، والذخيرة 4 / 1 / 37 ، وللخبر مع الشعر روايتان في الموشح 500 و 501 ، ووفيات الأعيان 2 / 15