أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني
200
العمدة في صناعة الشعر ونقده
باب في اللفظ والمعنى - اللفظ جسم ، روحه « 1 » المعنى ، وارتباطه به كارتباط الروح بالجسم ، يضعف بضعفه ، ويقوى بقوّته ، فإذا سلم / المعنى ، واختلّ بعض اللفظ كان نقصا للشعر ، وهجنة عليه ، كما يعرض لبعض الأجسام من العرج ، والشلل ، والعور ، وما أشبه ذلك ، من غير أن تذهب « 2 » الروح ، وكذلك إن ضعف المعنى واختلّ بعضه كان للفظ « 3 » من ذلك أوفر حظّ ، كالذي يعرض للأجسام من المرض بمرض الأرواح . - ولا تجد معنى يختل إلا من جهة اللفظ وجريه فيه على غير الواجب ، قياسا على ما قدمت من أدواء الجسوم والأرواح ، فإن اختلّ المعنى كلّه وفسد بقي اللفظ مواتا لا فائدة فيه ، وإن كان حسن الطلاوة في السمع ، كما أن الميت لم ينقص من شخصه شيء في رأى العين ، إلا أنه لا ينتفع به ، ولا يفيد فائدة ، وكذلك إن اختلّ اللفظ جملة وتلاشى لم يصح له معنى ؛ لأنّا لا نجد روحا في غير جسم البتة . - ثم للناس فيما بعد آراء ومذاهب : منهم من يؤثر اللفظ على المعنى ، فيجعله غايته ووكده ، وهم فرق : قوم يذهبون إلى فخامة الكلام وجزالته ، على مذهب العرب من غير تصنيع « 4 » ، كقول بشار « 5 » : [ الطويل ] إذا ما غضبنا غضبة مضريّة * هتكنا حجاب الشمس أو مطرت دما « 6 »
--> ( 1 ) في ف والمطبوعتين : « وروحه » ، وما في ص يوافق المغربيتين . ( 2 ) في ص والمغربيتين : « يذهب » بالمثناة التحتية ، وكلاهما صحيح إلا أنني اعتمدت ما في ف والمطبوعتين ؛ لأن اللسان يألفه . ( 3 ) في ص وف : « اللفظ » ، واعتمدت ما في المطبوعتين والمغربيتين ؛ لأنه لو كان الأمر كذلك لقيل : « أوفر حظّا » . ( 4 ) في ف ومغربية : « تضييع » ، وهو تصحيف ، وفي المطبوعتين : « تصنع » . ( 5 ) ديوان بشار 4 / 184 وسيأتي البيتان في ص 825 ( 6 ) في الديوان : « هتكنا حجاب الشمس أو تمطر الدما » .