أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني

144

العمدة في صناعة الشعر ونقده

الدار والمنشأ ، وفضّله علىّ رضى اللّه عنه بأن قال : « رأيته أحسنهم نادرة ، وأسبقهم بادرة ، وأنه لم يقل لرغبة ولا لرهبة » . - وقد قال العلماء بالشعر : إن امرأ القيس لم يتقدم الشعراء لأنه قال ما لم يقولوا ، ولكنه سبق إلى أشياء فاستحسنها الشعراء ، واتبعوه فيها ؛ لأنه قيل : أول من لطف المعاني ، واستوقف على الطلول ، ووصف / النساء بالظباء ، والمها ، والبيض ، وشبّه الخيل بالعقبان والعصىّ ، وفرق بين النسيب وما سواه من القصيدة ، وقرّب مأخذ الكلام ، فقيّد الأوابد ، وأجاد الاستعارة والتشبيه « 1 » . - وروى « 2 » الجمحي « 3 » أن سائلا سأل الفرزدق : من أشعر الناس ؟ قال : ذو القروح ، قال : حين يقول ما ذا ؟ قال : حين يقول « 4 » : [ الوافر ] وقاهم جدّهم ببنى أبيهم * وبالأشقين ما كان العقاب - / وأما دعبل فقدّمه بقوله في وصف عقاب : « 5 » [ البسيط ] ويلمّها من هواء الجوّ طالبة * ولا كهذا الّذى في الأرض مطلوب « 6 » وهذا عنده أشعر بيت قالته العرب .

--> ( 1 ) انظر ما قاله الأستاذ محمود شاكر في طبقات ابن سلام 1 / 55 ، في هذا الشأن ، فقد أوضح أنه وإن كان امرؤ القيس يشهد له بذلك ، إلا أننا لا نستطيع أن نقول إنه الأول فيه ؛ وذلك نظرا لضياع كثير من الشعر القديم قبل امرئ القيس ، وانظر قول العمدة في المزهر 2 / 478 و 479 وانظر حلية المحاضرة 1 / 205 والأوائل 436 و 437 ( 2 ) في م : « روى » ، بحذف الواو . ( 3 ) انظر هذا القول في طبقات ابن سلام 1 / 52 وما بعدها ، والشعر والشعراء 1 / 119 و 120 ، والمزهر 2 / 479 ( 4 ) ديوان امرئ القيس 138 ، وذو القروح هو امرؤ القيس ، أطلق عليه ذلك لأن جسده تهرأ من الحلة المسممة التي أهداها له قيصر الروم . ( 5 ) ديوان امرئ القيس 227 في الشعر المنحول ، فقد قيل إن القصيدة التي منها البيت هي لإبراهيم بن بشير الأنصاري . ( 6 ) في شرح الديوان 227 : « قالوا : قول العرب : « ويلمّه » اللفظ به ذم ، وهو في الظاهر عندهم مدح . والويل في التفسير : واد في جهنم . والجو . جو السماء ، وهو الفضاء ، والهواء : ما مددت فيه بصرك من أعلى . والطالبة : العقاب . وقوله : « ولا كهذا » يريد الذئب ، يقول : ولم أر كنجائه وهربه منها نجاء وهو مطلوب .