أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني

59

العمدة في صناعة الشعر ونقده

[ الطويل ] أرقت وما هذا السّهاد المؤرّق * وما بي من سقم وما بي معشق ! ورأى المحلّق اجتماع الناس ، فوقف يستمع ، وهو لا يدرى أين يريد الأعشى بقوله ، إلى أن سمع : نفى الذّمّ عن آل المحلّق جفنة * كجابية الشيخ العراقىّ تفهق « 1 » ترى القوم فيها شارعين وبينهم * مع القوم ولدان من النسل دردق « 2 » لعمري لقد لاحت عيون كثيرة * إلى ضوء نار باليفاع تحرّق تشبّ لمقرورين يصطليانها * وبات على النار الندى والمحلّق رضيعي لبان ثدي أمّ تحالفا * بأسحم داج عوض لا نتفرّق « 3 » / ترى الجود يجرى ظاهرا فوق وجهه * كما زان متن الهندوانىّ رونق فما أتم القصيدة إلا والناس ينسلون إلى المحلّق يهنئونه ، والأشراف من كل قبيلة يتسابقون إليه جريا يخطبون / بناته ؛ لمكان شعر الأعشى ، ولم « 4 » تمس منهن واحدة إلا في عصمة رجل أفضل من أبيها ألف ضعف .

--> ( 1 ) في الأمالي ذكر القالى البيت في أثناء حديثه عن « المتفيهق » ، ثم قال : وكان أبو محرز خلف يروى : « كجابية السيح » ، ويقول : الشيخ تصحيف ، والسيح : الماء الذي يسيح على وجه الأرض ، أي يذهب ويجرى . والجابية : الحوض الذي يجبى فيه الماء أي يجمع ، وجمعها جواب ، قال اللّه عز وجل : وَجِفانٍ كَالْجَوابِ [ سورة سبأ : 13 ] . انظر الأمالي 2 / 296 وفي الكامل 1 / 6 ، ذكر المبرد البيت في أثناء حديثه عن « المتفيهقين » ، ثم قال : كذا ينشده أهل البصرة ، وتأويله عندهم : أن العراقي إذا تمكن من الماء ملأ جابيته ؛ لأنه حضرى ، فلا يعرف مواقع الماء ولا محاله . قال أبو العباس : وسمعت أعرابية تنشد - قال أبو الحسن : هي أم الهيثم الكلابية من ولد المحلق ، وهي راوية أهل الكوفة - : « كجابية السيح » تريد النهر الذي يجرى على جابيته ، فماؤها لا ينقطع ؛ لأن النهر يمده . وفي الديوان 261 : « كجابية السيح » . ( 2 ) في ف : « ترى الناس . . . من القوم . . . من الفضل دردق » ، وفي ص : « زردق » والتصحيح من ف والمطبوعتين والديوان . والدردق : الأطفال ، والصغير من كل شيء [ من الديوان 261 ] ( 3 ) أسحم داج يحتمل أن يكون المقصود هو الليل أو أن يكون المقصود حلمة الثدي وقيل : الرحم . وعوض : أي أبد الدهر . ( 4 ) في المطبوعتين : « فلم » .