قاسم السامرائي

218

علم الاكتناة العربي الإسلامي

إضافة إلى كل هذا فإن البيئة الثقافية والفكرية لها أثر هائل فعّال في تلوين نمط الخط وأسلوبه في الأداء ، فتفرض عليه نمطا يختلف في نظر الخبير عن الخطوط الأخرى التي ترعرعت في بيئات مختلفة أو عند أفراد مختلفين . ومن هنا كان خط النسخ في العراق ، وفي قرن معين مثلا يختلف عن الخط ذاته في قطر آخر . بيد أن السمات العامة لا تكاد تختلف إلا في التفاصيل الفنية ، إلا أن بعض الأقطار انفردت بأنماط معينة مثل الخط المغربي والأندلسي وما اشتق منهما مثل السوداني إذ حافظا على سمات الخط الكوفي اللين ، ولهذا يستطيع الخبير أن يدرك بإحساسه وذوقه وتجربته ومرانه أن هذا نسخ يمني ، وذاك نسخ مملوكي ، والآخر نسخ أندلسي أو مغربي أو تونسي أو سوداني من جنوب الصحراء الإفريقية أو كردي من شرق تركية الحالية أو هندي وما إلى ذلك . ويصح هذا القياس الفني على بقية الخطوط ، ويسري أيضا على خطوط العلماء والنساخ ؛ فإن خط الذهبي هو غير خط السخاوي ، أو خط ابن الجوزي ، أو ابن فهد المكي أو السيوطي أو ابن حجر فإن لكل كاتب سمات خطية تختلف تماما عن سمات الخطوط الأخرى ، بل إن الخطوط تختلف من عصر إلى عصر حتى في القطر الواحد ، وقد تختلط الخطوط عند ناسخ واحد حين يخلط بين النسخ والتعليق والرقعة مثلا في سطر واحد أو صفحة واحدة أو في مخطوطة واحدة . وقد يختلف الخط أيضا تبعا لعمر الناسخ ، وما عليكم إلا أن تقارنوا بين خطوطكم لتروا الفروق الهائلة . إذ ليس المفروض أن كل ناسخ يعرف القواعد الخطية الدقيقة لهذا النمط أو ذاك . ومن هنا اختلفت خطوط المخطوطات إن جودة أو رداءة تبعا لخط الناسخ ، وتبعا لأصالة موهبته أو ضعفها ، وتبعا للجو العلمي والثقافي ، بل والسياسي أيضا كما حدث عند الخطاطين الأتراك العثمانيين الذين وصلوا