أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
94
العقد الفريد
جاد به ، وقد كان قديما ولي شرطة البصرة ، فحدثني هذا الحديث الذي أذكره ، ووقع إليّ من غير ناحيته ، ولا أذكر ما بينهما من الزيادة والنقصان ، إلا أن معاني الحديث مجموعة فيما أذكر لك : ذكر أن فتيانا كانوا مجتمعين في نظام واحد ، كلهم ابن نعمة ، وكلهم قد شرد عن أهله وقنع بأصحابه ، فذكر ذاكر منهم قال : كنا قد اكترينا « 1 » دارا شارعة على أحد طرق بغداد المعمورة بالناس ، وكنا نفلس أحيانا ونوسر أحيانا ، على مقدار ما يمكن الواحد من أهله ، وكنا لا ننكر أن تقع مئونتنا على واحد منا إذا أمكنه ، ويبقى الواحد منا لا يقدر على شيء ، فيقوم به أصحابه الدهر الأطول ، وكنا إذا أيسرنا أكلنا من الطعام ألينه ، ودعونا الملهين والملهيات ، وكان جلوسنا في أسفل الدار ، فإذا عدمنا الطرب جلسنا في غرفة لنا نتمتع منها بالنظر إلى الناس ؛ وكنا لا نخلّ بالنبيذ في عسر ولا يسر ؛ فإنا لكذلك يوما إذا بفتى يستأذن علينا ، فقلنا له : اصعد . فإذا رجل نظيف ، حلو الوجه ، سريّ الهيئة ، ينيء رواؤه « 2 » على أنه من أبناء النعم ؛ فأقبل علينا فقال : إني سمعت مجتمعكم ، وحسن منادمتكم ! وصحة ألفتكم ، حتى كأنكم أدرجتم جميعا في قالب واحد : فأحببت أن أكون واحدا منكم فلا تحتشموا . قال : وصادف ذلك منا إقتارا من القوت ؛ وكثرة من النبيذ ، وقد كان قال لغلام له : أول ما يأذنون لي أن أكون كأحدهم ، هات ما عندك . فغاب الغلام عنا غير كثير ، ثم أتانا بسلّة خيزران ، فيها طعام المطبخ ، من جدي ، ودجاج ، وفراخ ، ورقاق « 3 » ، وأشنان ، ومحلب « 4 » ، وأخلة « 5 » ؛ فأصبنا من ذلك ، ثم أفضنا في شرابنا .
--> ( 1 ) اكترى دارا : استأجرها . ( 2 ) الرواء الذي ينظر في الشيء ويتعقبه ولا يعجل بجواب . ( 3 ) الرقاق : الخبز المنبسط الرقيق . ( 4 ) المحلب : شجر له حبّ يجعل في الطيب . ( 5 ) الاخلة : جمع خلال : وهو ما تخلل به الأسنان .