أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
95
العقد الفريد
وانبسط الرجل ، فإذا هو أحلى خلق اللَّه إذا حدّث ، وأحسنهم استماعا إذا حدّث ، وأمسكهم عن ملاحاة إذا خولف ؛ ثم أفضينا منه إلى أكرم مخالقة ، وأجمل مساعدة ؛ وكنا ربما امتحناه بأن ندعوه إلى الشيء الذي نعلم أنه يكرهه ، فيظهر لنا أنه لا يحب غيره ، ويرى ذلك في إشراق وجهه ؛ فكنا نغني به عن حسن الغناء ، ونتدارس أخباره وآدابه ؛ فشغلنا ذلك عن تعرّف اسمه ونسبه ، فلم يكن منا إلا تعرّف الكنية ، فإنا سألناه عنها فقال : أبو الفضل . فقال لنا يوما بعد اتصال الأنس : ألا أخبركم بم عرفتكم ؟ قلنا : إنا لنحب ذلك . قال : أحببت جارية في جواركم ، وكانت سيدتها ذات حبائب « 1 » ؛ فكنت أجلس لها في الطريق ألتمس اجتيازها ، فأراها ؛ حتى أخلقني الجلوس على الطريق ورأيت غرفتكم هذه ، فسألت عن خبرها ، فخبرت عن ائتلافكم وتمالئكم ، ومساعدة بعضكم بعضا ؛ فكان الدخول فيما أنتم فيه أسرّ عندي من الجارية . فسألناه عنها فخبرها ، فقلنا له : نحن نختدعها حتى نظفرك بها ! فقال : يا إخواني ، إني واللَّه على ما ترون مني من شدة الشغف والكلف بها ، ما قدّرت فيها حراما قط ولا تقديري إلا مطاولتها ومصابرتها إلى أن يمنّ اللَّه بثروة فأشتريها ! فأقام معنا شهرين ، ونحن على غاية الاغتباط بقربه ، والسرور بصحبته ، إلى أن اختلس منا ، فنالنا بفراقه ثكل ممضّ ، ولوعة مؤلمة ، ولم نعرف له منزلا نلتمسه فيه ؛ فكدر علينا من العيش ما كان طاب لنا به ، وقبح عندنا ما كان حسن بقربه ، وجعلنا لا نرى سرورا ولا غمّا إلا ما ذكرناه ، لاتصال السرور بصحبته وحضوره ، والغمّ بمفارقته ؛ فكنا فيه كما قال الشاعر : يذكّرنيهم كلّ خير رأيته * وشرّ ، فما أنفك منهم على ذكر فغاب عنا زهاء عشرين يوما ، فبينما نحن مجتازون يوما من الرصافة ، إذا به قد طلع في موكب نبيل ، وزيّ جليل ، فلما بصر بنا انحط عن دابته وانحط غلمانه ، ثم
--> ( 1 ) حبائب : جمع حبيبة .