أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
90
العقد الفريد
كتاب اللؤلؤة الثانية في الفكاهات والملح قال الفقيه أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه ، تغمده اللَّه برحمته : قد مضى قولنا في الطعام والشراب وما يتولد منهما ، وينسب إليهما . ونحن قائلون بما ألّفناه في كتابنا هذا من الفكاهات والملح التي هي نزهة النفس ، وربيع القلب ، ومرتع السمع ، ومجلب الراحة ، ومعدن السرور . قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « روّحوا القلوب ساعة بعد ساعة ، فإن القلوب إذا كلّت عميت » . وقال علي بن أبي طالب رضوان اللَّه عليه : أجموا « 1 » هذه القلوب ، والتمسوا لها طرف الحكمة ، فإنها تمل كما تمل الأبدان ، والنفس مؤثرة للهوى ، آخذة بالهوينى ، جانحة إلى اللهو ، أمارة بالسوء ، مستوطنة للعجز ، طالبة للراحة ، نافرة عن العمل ، فإن أكرهتها أنضيتها « 2 » ، وإن أهملتها أرديتها . ودخل عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز على أبيه وهو ينام نومة الضحى فقال : يا أبت ! أتنام وأصحاب الحوائج واقفون ببابك ؟ قال : يا بنيّ ، إن نفسي مطيتي ، فإن أنضيتها قطعتها ، ومن قطع المطيّ لم يبلغ الغاية !
--> ( 1 ) أجموا : أريحوا . ( 2 ) الانضاء : الابلاء والاخلاق .