أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
85
العقد الفريد
فانتصب بين يديه ، فقال له كسرى : من أنت ؟ قال : أنا الحارث بن كلدة . قال : أعربيّ ؟ قال : نعم ، من صميمها . قال : فما صناعتك ؟ قال : طبيب . قال : وما تصنع العرب بالطبيب مع جهلها ، وضعف عقولها ، وقلة قبولها ، وسوء غذائها ، فقال : ذلك أجدر أيها الملك ، إذا كانت بهذه الصفة ، أن تحتاج إله ما يصلح جهلها ، ويقيم عوجها ، ويسوس أبدانها ، ويعدل أمشاجها « 1 » ؛ [ فإن العاقل يعرف ذلك من نفسه ] . قال الملك : وكيف لها بأن نعرف ما تورده عليها ، ولو عرفت الحق لم تنسب إلى الجهل . قال : الحارث : أيها الملك ، إن اللَّه جل اسمه قسم العقول بين العباد كما قسم الأرزاق ، وأخذ القوم نصيبهم ؛ ففيهم ما في الناس من جاهل وعالم ، وعاجز وحازم . قال الملك : فما الذي يحمد من أخلاقهم ، ويحفظ من مذاهبهم ؟ قال الحارث : لهم أنفس سخية ، وقلوب جريّة ، وعقول صحية مرضيّة ، وأحساب نقية ، يمرق الكلام من أفواههم مروق السهم العائر « 2 » ، ألين من الماء ، وأعذب من الهواء ؛ يطعمون الطعام ، ويضربون الهام ، وعزّهم لا يرام ، وجارهم لا يضام ، ولا يروّع إذا نام ؛ لا يقرّون بفضل أحد من الأقوام ، ما خلا الملك الهمام ، الذي لا يقاس به أحد من الأنام ! قال : فاستوى كسرى جالسا . ثم التفت إلى من حوله فقال : أطرى قومه ، فلولا أن تداركه عقله لذمّ قومه ، غير أني أراه ذا عمى . ثم أذن له بالجلوس . فقال : كيف بصرك بالطب ؟ قال : ناهيك ! قال : فما أصل الطب ؟ قال : ضبط الشفتين ، والرفق باليدين . قال : أصبت ، فما الداء الدويّ « 3 » ؟ قال : إدخال الطعام على الطعام ، هو الذي أفنى البرية ، وقتل السباع في البريّة . قال : أصبت . فما الجمرة التي تلهّب منها الأدواء ؟ قال : هي التخمة ، إن بقيت في الجوف قتلت ، وإن تحللت أسقمت . قال : فما تقول في إخراج الدم ؟ قال : في نقصان الهلال ، في يوم صحو لا غيم فيه ، والنفس طيبة ، والسرور حاضر . قال : فما تقول في الحمّام ؟ قال : لا تدخل الحمام شعبان ، ولا تغش
--> ( 1 ) الأمشاج : أخلاط البدن من الدم والبلغم . ( 2 ) السهم العائر : الذي لا يدرى من رماه . ( 3 ) الداء الدويّ : المرض الشديد .