أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

79

العقد الفريد

تسكروا ، وإنما المسكر ما أسكرك ، ولا يسمى القليل الذي لا يسكر مسكرا ، ولو كان ما يسكر كثيره يسمى قليله مسكرا ، ما أباح لنا منه شيئا : والدليل على ذلك أن النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم شرب من سقاية العباس ، فوجده شديدا ، فقطب بين حاجبيه ، ثم دعا بذنوب « 1 » من ماء زمزم فصب عليه ، ثم قال : إذا اغتلمت « 2 » أشربتكم فاكسروها بالماء . ولو كان حراما لأراقه ، ولما صب عليه ماء ثم شربه . وقالوا في قول رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم : « كل مسكر خمر » : هو ما أسكر الفرق « 3 » منه فملء الكف حرام ؛ فإن هذا كله منسوخ ، نسخه شربه للصّلب « 4 » يوم حجة الوداع . قالوا : ومن الدليل على ذلك أنه كان ينهى وفد عبد القيس عن شرب المسكر فوفدوا إليه بعد ، فرآهم مصفرة ألوانهم ، سيئة حالهم ؛ فسألهم عن قصتهم ، فأعلموه أنه كان لهم شراب فيه قوام أبدانهم فمنعهم من ذلك ؛ فأذن لهم في شربه . . . . وأن ابن مسعود قال : شهدنا التحريم وشهدتم ، وشهدنا التحليل وغبتم . وأنه كان يشرب الصّلب من النبيذ التمر ، حتى كثرت الروايات به عنه وشهرت وأذيعت ، وأتبعه عامة التابعين من الكوفيين وجعلوه أعظم حججهم ، وقال في ذلك شاعرهم : من ذا يحرّم ماء المزن خالطه * في جوف خابية ماء العناقيد ؟ « 5 » إني لأكره تشديد الرواة لنا * فيه ، ويعجبني قول ابن مسعود ! وإنما أراد أنهم كانوا يعمدون إلى الرّب الذي ذهب ثلثاه وبقي ثلثه ، فيزيدون عليه من الماء قدر ما ذهب منه ، ثم يتركونه حتى يغلي ويسكن جأشه ، ثم يشربونه . وكان عمر يشرب على طعامه الصلب ، ويقول : يقطع هذا اللحم في بطوننا . واحتجوا بحديث زيد بن أخزم عن أبي داود عن شعبة عن مسعر بن كدام عن ابن

--> ( 1 ) الذّنوب : الدلو العظيمة . ( 2 ) اغتلمت : جاوزت حدها الذي لا يسكر إلى حدها الذي يسكر . ( 3 ) الفرق : مكيال ضخم . ( 4 ) الصلب : الذي اشتد . ( 5 ) المزن : السحاب يحمل الماء .