أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
69
العقد الفريد
عصير العنب لا يسمى خمرا حتى يشتد . وان صدر هذه الأمة والأئمة في الدين لم يختلفوا في شيء كاختلافهم في النبيذ وكيفيته . . . ثم قال فيما حكم بين الفريقين : أما الذين ذهبوا إلى تحريمه كلّه ولم يفرقوا بين الخمر وبين نبيذ التمر ، وبين ما طبخ وبين ما أنقع ، فإنهم غلوا في القول جدا ، ونحلوا قوما من أصحاب رسول اللَّه صلّى اللّه عليه وسلّم وسلم البدريّين ، وقوما من خيار التابعين ، وأئمة من السلف المتقدمين ، شرب الخمر ، وزيّنوا ذلك بأن قالوا : شربوها على التأويل وغلطوا في ذلك ، فاتهموا نظرهم ونحلوهم الخطأ ، وبرّءوا أنفسهم منه . فعجبت منه كيف يعيب هذا المذهب ، ثم يتقلده ، ويطعن على قائله ثم يقول به ! إلا اني نظرت إلى كتابه ، فرأيته قد طال جدا . فاحسبه أنسي في آخره ما ذهب اليه في أوله ؛ والقول الأول من قوله هو المذهب الصحيح الذي تأنس إليه القلوب وتقبله العقول ، لا قوله الآخر الذي غلط فيه ! . احتجاج المحرمين لقليل النبيذ وكثيره ذهبوا أجمعون إلى أن ما اسكر كثيره من الشراب فقليله حرام كتحريم الخمر وقال بعضهم : بل هو الخمر بعينها ، ولم يفرقوا بين ما طبخ وبين أنقع ، وقضوا عليه كله أنه حرام ؛ وذهبوا من الأثر إلى حديث رواه عبد اللَّه بن قتيبة عن محمد بن خالد ابن خداش عن أبيه عن حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر : أن رسول اللَّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « كل مسكر حرام ، وكل مسكر خمر » . وحديث رواه ابن قتيبة عن إسحاق بن راهويه عن المعتمر بن سليمان عن ميمون بن مهدي عن أبي عثمان الأنصاري عن القاسم عن عائشة : ان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « كل مسكر حرام ، وما أسكر منه الفرق فالحسوة منه حرام » .