أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

3

العقد الفريد

الجزء الثامن كتاب الفريدة الثانية في الطعام والشراب قال الفقيه أبو عمر بن محمد بن عبد ربه : قد مضى في بيان طبائع الإنسان وسائر الحيوان والنتف . ونحن قائلون بعون اللّه وتوفيقه في الطعام والشراب اللذين بهما تنمو الفراسة وهما قوام الأبدان ، وعليهما بقاء الأرواح . قال المسيح عليه الصلاة والسلام في الماء : هذا أبي . وفي الخبز : هذا أمي . يريد أنهما يغذيان الأبدان كما يغذيهما الأبوان . وهذا الكتاب جزءان : جزء في الطعام ، وجزء في الشراب . فالذي في الطعام منهما متقصّ جميع ما يتم ويتصرف به أغذية الطعام من المنافع والمضار ، وتعاهد الأبدان بما يصلحها من ذلك في أقواته وضروب حالاته ، واختلاف الأغذية مع اختلاف الأزمنة بما لا يخلي المعدة وما لا يكظّها ، فقد جعل اللّه لكل شيء قدرا . والذي في الشراب منهما مشتمل على صنوف الأشربة ، وما اختلف الناس فيه في الأنبذة « 1 » ، ومحمود ذلك ومذمومه ، فإنا نجد النبيذ قد أجازه قوم صالحون ، وقد وضعنا لكل شيء من ذلك بابا فيحتاط كل رجل لنفسه بمبلغ تحصيله ، ومنتهى نظره ؛ فإن الرائد لا يكذب أهله .

--> ( 1 ) الأنبذة : جمع النبيذ ، وهو شراب مسكر يتخذ من عصير العنب أو الثمر أو غيرهما .