أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
59
العقد الفريد
وعود السكارى حدثنا أبو جعفر البغدادي قال : كان بالجزيرة رجل يبيع نبيذا في ناجود « 1 » له وكان بيته من قصب ، وكان يأتيه قوم يشربون عنده ، فإذا عمل فيهم الشراب قال بعضهم لبعض : أما ترون بيت هذا النّبّاذ من قصب ! فيقول بعضهم : عليّ الآجر ! ويقول الآخر : علي الجصّ ! ويقول الآخر : عليّ اجرة العامل ! فإذا أصبحوا لم يعملوا شيئا . فلما طال ذلك على النبّاذ قال : لنا بيت يهدم كلّ يوم * ويصبح حين يصبح جذم خصّ « 2 » إذا ما دارت الاقداح قالوا * غدا نبني بآجرّ وجصّ « 3 » وكيف يشيّد البنيان قوم * يمرّون الشتاء بغير قمص ! حارثة بن بدر وزياد ودخل حارثة بن بدر على زياد وبوجهه أثر فقال له : ما هذا ؟ قال . ركبت فرسي الأشقر فصرعني . قال : أما إنك لو ركبت الأشهب ما صرعك . أراد حارثة بالأشقر : النبيذ ! وأراد زياد بالاشهب : اللبن . وكان قيس بن عاصم يأتيه في جاهليته تاجر خمر ، فيبتاع منه ، ولا يزال الخمار في جواره حتى ينفذ ما عنده ؛ فشرب قيس ذات يوم فسكر سكرا قبيحا ، فجذب ابنته وتناول ثوبها ، ورأى القمر فتكلم بشيء ، ثم انتهب مال الخمار ، وأنشأ يقول : من تاجر فاجر جاء الاله به * كأن لحيته أذناب أجمال جاء الخبيث ببيسانية تركت * صحبي وأهلي بلا عقل ولا مال « 4 » فلما صحا أخبر بما صنع ، وما قال ، فآلى ان لا يذوق خمرا أبدا .
--> ( 1 ) الناجود : اناء يجعل فيه الخمر . ( 2 ) الجذم : الأصل . ( 3 ) الآجر والجص : من مواد البناء . ( 4 ) البيسانية : الخمر المنسوبة إلى بيسان .